} <

كتاب الحج والعمرة

كتاب الحج والعمرة
مقدمة
 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد:
 
فمن رحمة الله تعالى التي وسعت كل شيء أن كَتَب علينا عِبادَته والاستقامةَ على سبيله، تشريفًا في صورة التكليف، وإِنْعَامًا في هيئة الإلزام، وتربيةً وترقِيَة وعطاءً، فله الحمد وله الشكر، ومن ذلك أن كتب قَصْدَ بيته الحرام لمن استطاع إليه سبيلًا، فقال جلَّ شأنه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97].
وألحق بالحج العمرةَ وأمر بإتمامهما، فقال تعالى ذكره: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة: 196].
وإزاء هذه المكانة السامية للحج والعمرة، فقد ضمّنهما ربّنا سبحانه أطرافًا من سائر العبادات وحباهما بمعانٍ وأسرار، وعِبَر وآيات جديرة بالتوقف عندها، والتأمل فيها والتعرُّض لنفحاتها عسى الله تعالى أن يكتب لنا الفوز بها علمًا وعملًا.
ففي الحج -وأيضًا العمرة- صلاة وإنفاق وصوم وذبح وسفر كالهجرة قلبًا وقالبًا، وسعي وطواف وذكر ودعاء وجهاد، وتذكر شريف لموكب العابدين من لدن أبي الأنبياء إلى خاتمهم عليه الصلاة والسلام... فهو عِبَادَةٌ جامعة، ومنهاج سلوك إلى الله تعالى، ومنهاج حياةٍ لمن استوعب معانيه ومغازيه... وهو مقام تجديد عهد وتوبة، ومآب إلى الله تعالى ومتاب يغتسل فيه المسلم من كل أدرانه، وينسلخ فيه عن سيئات أعماله وأحواله؛ ليعود منه طاهرًا مُطَهَّرًا، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ حَجَّ البَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِه كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» [أخرجه البخاري (ج2/ 553 رقم 1448) وفي (ج3/ 1026 رقم 2632) ط ابن كثير اليمامة، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (ج9/ 21 رقم 17583) ط دار الباز].
والحج تشريع لتحقيق التوحيد والعبودية الحقة لله رب العالمين، وهو تدريب على الالتزام والاستقامة على الأمر، ومن ثم اشتملت رحلته على شعائر وحرمات: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [الحج: 30]، ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج: 32].
وهو تربية على معنى التعظيم والاستعظام لأوامر الله تعالى ونواهيه، وتربية على الدقة والضبط والجدية والإتقان، وتربية على الوحدة والاجتماع والتعاون وعيش حقيقة الأمة الواحدة، والإنسانية المتساوية، وتربية على تعظيم ما عظَّم الله تعالى، وحسن الانقياد لرسوله -صلى الله عليه وسلم- بلا إذلال ولا إرهاق ولا حرج، إنه فاعلية بلا تضييق ولا حرج، وعنوان أحكامه ومَعلمه الأعلى: «افعل ولا حرج» [أخرجه البخاري (ج1/ 58 رقم 124) ط ابن كثير - اليمامة. وأخرجه مسلم (ج2/ 949 رقم 1306) ط إحياء التراث العربي].
والمسلمون -ولله الحمد - لا يزالون على الحج والاعتمار مقبلين حريصين، يُبدون أمام الله تعالى وأمام سائر الخلق أشواقهم الحارّة إلى زيارة البيت العتيق والقبر الشريف وما بينهما من معالم الإيمان والتوحيد، فهم بذلك أمة إجابة، وهم دعاة لسائر الأمم للاستجابة لله ورسوله، وهم في حجّهم نموذج لبقاء الأمة الواحدة الجامعة التي تؤمن برب واحد وتصدر عن كتاب واحد ونبي واحد هو خاتمة عقد أنبياء الله المصطفين.
وفي كل عام يُظهر المسلمون الراغبون في الحج أو العمرة أو المقبلون عليهما حرصًا كبيرًا على القراءة والاطِّلاع والتعرّف على متعلقات الحج والعمرة من الأحكام والشعائر، ومن القضايا والمسائل، ومن الحِكَم والمعاني والأسرار الروحية، ومن المعالم وخطوط السير ومواقع الوقوف وأداء المناسك، إلى آخر ما هناك من مسائل ومعلومات تهم الحاج والمعتمر.
وبيانًا لهذه الأمور تصدر العديد من أدوات التعليم والإعلام للتعريف بأجزاء من ذلك بأشكال وطرائق متنوعة، كلها بلا شك عظيمة النفع لمن اطّلع عليها.
من هنا، أردنا لهذا الكتاب أن يكون جامعًا لسائر أمور هذه العبادة العُظْمَى: معانيها وأسرارها وأحكامها إجمالًا وتفصيلًا، فجعلنا هذا الكتاب دليلًا لمناسك الحج، راعينا فيه وضوح المناسك وترتيبها وفق أعمالها، وبيان ما هو الأكمل من صفتها، كما صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم – وفي ضوء فقه الأئمة المتبوعين رضي الله عنهم.
وقدمنا على أعمال المناسك بمقدمة، ذكرنا فيها بعض المعلومات الضرورية، التي رأينا من المفيد أن تكون بين يدي القارئ الكريم.
ثم ذكرنا أعمال الحج والعمرة على وجه الإجمال، ثم أتبعناها بذكر المناسك على وجه التفصيل؛ قاصدين بذلك أن تكون المناسك إجمالًا في بعض صفحات قليلة، يسهل مراجعتها عند الحاجة، وتكون تذكرة للقارئ، بعد أن يكون قد أتقن فهم المناسك على وجه التفصيل بشروطها، وأركانها، ومستحباتها.
ثم تحدثنا بعد ذلك عن آداب زيارة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومدينته المنورة والجلوس في الروضة الشريفة.
ثم أردفنا الكتاب بملحقٍ من الفتاوى المهمة المتعلقة بأحكام الحج والعمرة؛ ليسهل الرجوع إليها عند الحاجة؛ إذ قد يستفاد من السؤال والجواب ما لا يستفاد من تقرير الكلام، أو سرد الأحكام.
وختمنا هذه الفتاوى بفتاوى صدرت من فضيلة مفتي جمهورية مصر العربية بشأن مَنْ يتخلف – بعد العمرة – لإدراك الحج؛ لتكون نصيحة لمن يقومون بهذا العمل الذي تترب عليه الكثيرُ من المفاسد التي تُلْحِق الضرر بحجاج بيت الله الحرام.
معًا لنتنسم عبيرَ الإيمان في حديثنا عن رحلة العمرة، التي ما إن ينتهي منها الإنسان إلا ويبدأ عمرًا جديدًا، محيت منه خطاياه القبيحة والسيئات، نسأل الله عز وجل أن يوفقنا إلى الصواب في القول والعمل، وأن يعصمنا من الخلل والزلل.
 
اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;