} <

الجهاد

الجهاد

 تقديم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المجاهدين، وأَرْشَدِ الناس في عمارة الكون بالدين، وخير الخلق أجمعين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن تبع هديه إلى يوم الدين، وبعد:

فإنَّ الله تعالى قد ندب إلى الجهاد بكل أنواعه، ولم يقصره على صورة واحدة، مما يظنه ذوو النظر القاصر أنه محصور في القتال فحسب، فيضيقون الواسع ويشددون على الناس، غير مدركين أن الله تعالى نوَّع مظاهره ليتخذ كل امرئ منها ما يلائمه، ولذلك أطلق الأمر في الجهاد، فقال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ﴾ [الحج: 78] ومدح القائمين به فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت: 69].

أما عن الجهاد بمعنى القتال للدفاع عن الدين والنفس والأرض والعرض فقد عظَّمه الله تعالى، وجعله ذروة سنام الإسلام، وأجزل فيه أجر أهله الغالب منهم والمغلوب والقاتل والمقتول، وأحيا القتلى فيه بعد مماتهم؛ تعويضًا عن حياتهم التي بذلوها رخيصة ابتغاء مرضاته بحياة أبدية سرمدية، فقال عز وجل: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: 169].

غير أنه لم يكن غرض ذلك الجهاد يومًا الرغبة في إشهار السيف، أو إراقة الدم؛ ولذلك فالحروب التي شهدها المسلمون عبر تاريخهم هي من أنقى الحروب التي شهدتها الإنسانية، حقيقة وأهدافًا وأسلوبًا وشروطًا وإنهاءً وإيقافًا وآثارًا، وهذا حقٌّ يراه كلُّ منصفٍ في النظرية وفي التطبيق على حد سواء.
ومَنْ رَمَى الإسلامَ بغير ذلك مما هو منه براء فقد جاء شيئًا فريًّا، وظلمه ظلمًا عبقريًّا؛ منشؤه عدم التعرف على ما شرعه هذا الدين الحنيف للجهاد من دستور محكم مبسوط، ومن مقاصد جليلة، من شأنها دخول الناس كافة طريقَ السلم والسلام، لا الحرب والفصام.

نعم قامت جماعات من الأدعياء، تعصبًا وجهلًا وإصرارًا على جعل هذا الدين طرفًا في صراع دائر، وعدوًّا للمحاربة دائمًا، باختلاق أفعال دموية، وجرائم وحشية، وانتهاكات للبشرية، دون أدنى مراعاة للحقوق أو الواجبات تحت مسمى «الجهاد»، مستدلين بعقولهم الساذجة بمتشابه النصوص الشريفة دون الرجوع إلى ما أَحْكَمَ الله تعالى منها، ولا إلى ما فهمه العلماء المتخصصون من مبناها ومعناها ومقصدها، فيأخذهم الجهل والهوى إلى تكفير الحكام والشعوب، ويجعلون ذلك سببا لأعمالهم الإجرامية وأفكارهم الشيطانية.

وهم شرذمة قليلون، خالفوا ما شرعه الله تعالى من أحكام الجهاد الشريفة ومقاصده المنيفة وحِكَمَه العالية، حيث يقاتلون تحت راية عمية غير واضحة، مفارقين لجماعة المسلمين، خارجين بغير سند من الدستور أو القانون، هاجرين إذن الوالدين، ومع ذلك يَغُلُّون في الغنيمة، ويقتلون من لا يجوز قتاله من المسلمين وغيرهم من الآمنين، ويسلبون مقدَّرَات الأمم والشعوب، غير مبالين بالحرمات والأعراض والمعاهدات والأعراف التي ارتضاها البشر منذ عقود طويلة، بل وصل فسادهم لينال بالهدم والتدمير من تراث الإنسانية التليد الذي كتبه الدهر ذِكرًا في لوح العمران والحضارة.

وإننا وإن سلَّمنا أنه قد يشذ في الأمم أفراد عن جادة أخلاقها وكريم أعراقها، فلا مشاحة أن ذلك لا يجوز أن يكون مدخلا للحكم على الجميع بذلك الشذوذ، فضلا عن أن يَكِرَّ ذلك على الجهاد ومقاصده النبيلة بالبطلان.

فإن هناك فرقًا بين أهل العلم -وهم وارثوه كابرًا عن كابر متصلًا أسانيده في جميع الطبقات إلى رحمة الله للعالمين بشيرا ونذيرا، سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأهل الهوى الذين انقطعت بهم السبل، وضاقت بهم الأرض بما رحبت، وصدَّق عليهم إبليس ظنه، فانحرف بهم عما اجتمعت عليه الأمة سلفًا وخلفًا، وما اتفق عليه عقلاء البشر.

ولهذا قمنا باستقراء فتاوى دار الإفتاء المصرية، واخترنا منها عيون الفتاوى التي تُوضح حقيقة الجهاد في الإسلام وضوابطه وأحكامه وغاياته النبيلة، ووسائله المشروعة والممنوعة، مما يؤسس للحرية والتعددية والاختلاف وقبول الآخر واحترام حقوقه المشروعة، ويفنِّد في الوقت ذاته ما صنعته الأفكار الهدامة والأهواء المقيتة من تفريق لوحدة المسلمين ونشر للنعرات الطائفية بينهم تحت ما يُسَمَّى «الجماعات الدينية».

ولقد حرصنا في هذا الكتاب الذي بين أيدينا على أن نكشف عن حقيقة ما تعلق به هؤلاء، من مبادئ ومفاهيم مغلوطة، نتجت عنها أفعال شنيعة اتخذها الأعداء دليلا يصرفون به الناس عن دين الله الذي ارتضاه للعالمين.

نفع الله بهذا الكتاب، وجعله مرجعا علميًّا صحيحا لمن أراد أن يفرق ما بين التبر والتراب، وبصَّرَنا بما يرضيه عنا من صحيح السُّنَّة وصريح الكتاب، وعرَّفَنا كيف نجاهد أنفسنا كما نجاهد من اعتدى علينا بما يكون لنا ذخرا ونورا يوم الحساب.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،،،

أ. د/ شوقي علام
مفتي الديار المصرية

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;