تسمية شركة باسم الدايم

هل يجوز تسمية شركة باسم "الدايم"؟ وهل هذا الاسم من أسماء الله الحسنى؟ 

لا مانع شرعًا من تسمية شركةٍ ما باسم (شركة الدايم) أو (الدايم)، وهذا الاسم وإن عدّه جمهور العلماء من أسماء الله الحسنى إلا أنه من قبيل الأسماء المشتركة التي يجوز تسمي غير الله بها، ويراد به في حق العباد غير ما يراد في حق الله تعالى. 

التفاصيل ....

"الأسماءُ الحسنَى" مركَّبٌ لفظيٌّ، يتوقف فهمه على فهم شِقَّيه؛ فالشِّقُّ الأوَّل: "الأسماء"، والشِّقُّ الثَّاني: "الحُسنَى":
1- والأسماءُ: جمعُ اسمٍ، وهو العلامَة تُوضَعُ على الشَّيءِ يُعرف بها.
واختلفوا في اشتِقاقِهِ:
- فقد ذهب الكوفيون إلى أنَّه مشتَقٌّ من (وَسم) وهو العلَامة.
- وذهب البصريون إلى أنه مشتَقٌّ من (السُّمو) وهو العُلُو.
وهذا بناءً على الخلاف بين البصريين والكوفيين في أصل الاشتقاق، فيرى الكوفيون أنه الفعل، ويرى البصريون أنه المصدر. انظر: "شرح المفصَّل" لابن يعيش (1/ 23، ط. دار الكتب العلمية)، و"الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين" (1/ 8، ط. المكتبة العصرية).
2- والحُسْنَى: على وزن فُعْلَى، مؤنَّث الأَحسَن، أو مصدر كَذِكْرَى، وَوُصِفَ بِه، والأحسنُ من الحُسن، وهو الجمال، إلَّا أن الحُسنَ في الأصل للصورة، ثم استُعمِل في الأفعال والأخلاق، والجمالَ في الأصل للأَفعال والأخلاق والأحوال الظَّاهرة، ثم استعمل في الصورة. انظر: "معجم الفروق اللغوية" (ص: 166).
- والمقصود بأسماء الله الحسنى: أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل ألفاظًا تدلُّ على ذاته وتشير إليها، وهي أسماؤه، وكلُّ لفظٍ من هذه الألفاظ يُراد منه المعنى الأحسن والأكمل في حقِّه سبحانه وتعالى؛ فكانت الحُسنَى من هذه الجهة.
ووجه الحُسن في أسماء الله كذلك أنَّها دالَّةٌ على مُسَمَّىَ الله، فكانت حُسنى لدلالتِها على أحسنِ، وأعظمِ، وأقدسِ مُسَمَّى، وهو الله عزَّ وجلَّ.
ومادَّةُ (د ا م) التي منها اسم الدَّائِم أصلُها (دَوَمَ) وتأتي بمعني السكون واللزوم، ودام الشيء يدوم طال زمانه؛ قال في "مقاييس اللغة" (2/ 315، ط. دار الفكر): [(دَوَمَ) الدَّالُ وَالْوَاوُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى السُّكُونِ وَاللُّزُومِ. يُقَالُ: دَامَ الشَّيْءُ يَدُومُ، إِذَا سَكَنَ] اهـ.
وقال العلامة الزَّبيدي في "تاج العروس" (32/ 180، ط. دار الهداية): [(الدَّيُّوم): الدَّائِم مِنْه، كَمَا قَالُوا: قَيُّوم. (والدَّوْمُ: الدَّائِم) من دَامَ الشَّيءُ يَدُومُ إِذا طَالَ زَمانُه، أ(و) من (دَامَ) الشَّيءُ إِذا (سَكَن، وَمِنْه: الماءُ الدَّائِم) والظّلُّ الدَّائِم] اهـ.
وقد أُبْدِلَتِ الهمزةُ فيه من حرف العلَّة وجوبًا على قواعد اللغة؛ قال في "شرح المفصل" لابن يعيش (5/ 348): [قال صاحب "الكتاب": فالهمزة أُبدلت من حروف اللِّين، ومن الهاء والعين، فإبدالها من حروف اللين على ضربين: مطَّرَدٌ، وغير مُطَّرَدٍ، والمطَّرد على ضربين: واجب وجائز، فالواجب إبدالها من ألف التأنيث في نحو: "حمراء" و"صحراء"، والمنقلبة لامًا في نحو: "كساءٍ" و"رداءٍ" و"علباءٍ"؛ أو عينًا في نحو "قائلٍ"، و"بائعٍ"، ومن كل واو" ثم سهلت الهمزة إلى الياء تخفيفًا] اهـ.
وقال الشيخ الأشموني في "شرح الأشموني لألفية ابن مالك" (4/ 89، ط. دار الكتب العلمية): [الثالث: يكتب نحو: "قائل"، و"بائع" بالياء على حكم التخفيف؛ لأنَّ قياس الهمزة في ذلك أن تسهل بين الهمزة والياء، فلذلك كتبت ياء] اهـ.
وقد ورد اسم "الدائم" في بعض الطرق والروايات المفصلة للتسعة والتسعين اسمًا المشار إليها في الحديث الصحيح؛ حيث روى ابن ماجه في "سننه"، والطبراني في "الدعاء"، وأبو نعيم الأصبهاني في جزءٍ له اسمه "طرق حديث «إن لله تسعة وتسعين اسمًا»" من طريق عبد الرحمن الأعرج رضي الله عنه عن أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه أيضًا ابن الأعرابي في معجمه عن محمد بن سيرين رضي الله عنه عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (1/ 63، ط. دار الكتب العلمية) وقال: [هذا حديث محفوظ من حديث أيوب وهشام، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنهم مختصرًا دون ذكر الأسامي الزائدة فيها، كلها في القرآن، وعبد العزيز بن الحصين بن الترجمان رضي الله عنه ثقة، وإن لم يخرجاه، وإنما جعلته شاهدًا للحديث الأول] اهـ.
كما أخرجه الإمام البيهقي في "الاعتقاد"، و"الأسماء والصفات"، وقال في "الأسماء والصفات" (1/ 32، ط. مكتبة السوادي): [فإن كان محفوظًا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكأنه قصد أنَّ من أحصى من أسماء الله تعالى تسعة وتسعين اسمًا دخل الجنة، سواء أحصاها مما نقلنا في حديث الوليد بن مسلم، أو مما نقلناه في حديث عبد العزيز بن الحصين، أو من سائر ما دلَّ عليه الكتاب والسنة، والله أعلم. وهذه الأسامي كلها في كتاب الله تعالى وفي سائر أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نصًا أو دلالة] اهـ.
وقد تفرَّد ابن منده في كتاب "التوحيد" في روايته لحديث: «لا تسبُّوا الدَّهْرَ» بزيادة: «إنَّ الله هُوَ الدَّائم» ولم يخرِّجها غيره.
والمحققون على أنه قد وقع اختلافٌ شديدٌ في سرد الأسماء الحسنى زيادةً ونقصًا؛ لذا جرى الخلاف في قبول ما جاءت به الروايات هل تأخذ حكم المرفوع، أو هي من قبيل المدرج، قال أبو الحسن السِّندي في حاشيته على "سنن ابن ماجه" المسماة "كفاية الحاجة" (2/ 439، ط. دار الجيل): [واختلف العلماء في سرد الأسماء: هل هو مرفوع أو مدرج في الخبر من بعض الرواة؟ فمشى كثير منهم على الأول، وذهب آخرون إلى تعين أنه مدرج لخلو أكثر الروايات عنه، وقال البيهقي: يحتمل أن يكون التعيين وقع عن بعض رواة الطريقين معًا، ولهذا وقع الاختلاف الشديد بينهما، ولهذا الاحتمال ترك الشيخان تخريج التعيين، والله أعلم. وفي الزوائد لم يخرج أحد من الأئمة الستة عدد أسماء الله الحسنى من هذا الوجه ولا من غيره غير أن ابن ماجه والترمذي مع تقديم وتأخير، وطريق الترمذي أصح شيء في الباب، وقال: وإسناد طريق ابن ماجه ضعيف لضعف عبد الملك بن محمد] اهـ.
وجمهور العلماء على أن أسماء الله تعالى ليست محصورة في تسعة وتسعين اسمًا، وأن لله تعالى أسماء غير التسعة والتسعين التي صرَّح بها الحديث، وهو ما رجَّحه الإمام الغزالي ذاهبًا إلى أن فائدة الحصر في الحديث الشريف هي أن هذا العدد من أسماء الله الحسنى له هذا الفضل الموعود به عند الله تعالى وهو دخول الجنة؛ قال رحمه الله في "المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى" (ص: 120، ط. مكتبة الكليات الأزهرية): [وأما الحديث الوارد في الحصر فإنه يشتمل على قضية واحدة لا على قضيتين، وهو كالملك الذي له ألف عبد مثلًا فيقول القائل: إن للملك تسعة وتسعين عبدًا من استظهر بهم لم تقاومه الأعداء، فيكون التخصيص لأجل حصول الاستظهار بهم، إما لمزيد قوتهم، وإما لكفاية ذلك العدد في دفع الأعداء من غير حاجة إلى زيادة، لَا لِاختصاص الوجود بهم] اهـ.
ومن الأدلَّةِ على ذلك أيضًا الأسماء الكثيرة التي وردت في القرآن الكريم والسنة المشرفة، وليس لها ذكر في رواية الوليد بن مسلم المشهورة، ومن هذه الروايات ما رواه أبو داود رحمه الله عن أنس بن مالك رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم جَالِسًا وَرَجُلٌ يُصَلِّى ثُمَّ دَعَا: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ". فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: «لَقَدْ دَعَا اللهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ الَّذِى إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى».
ويضاف إلى ذلك أن اسم الدَّائم يشتمل على كمالٍ لا يخفى، وذلك جارٍ على قاعدة الإمام الغزالي رحمه الله في جواز إطلاق اسم على الله تعالى غير الوارد في القرآن الكريم والسنة المشرَّفةِ؛ إذا رُوعِيَ فيه أربعةُ شروطٍ مجتمعة هي:
- أن يكون واردًا في نصٍّ صحيحٍ من قرآنٍ أو سنةٍ.
- ألَّا يوهم هذا الوصف نقصًا في حقِّ الله تعالى.
- ألَّا يكون وروده على سبيل المشاكلة.
- أن يكون من باب الصِّفات لا من باب الأسماء. ينظر: "المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى" (ص: 125).
والمُشَاكَلة بابٌ من أبواب البلاغة، وهي: "ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته، أي: لمجيئه معه". ومثالها في كلام العرب قول أحمد الأنطاكي وقد دعاه أصحابه إلى السفر في يوم بارد، وأغروه بأنهم سيجيدون طبخ ما يريد أكله، لكن حاجته إلى الثياب كانت أشد من حاجته إلى الطعام فكتب إليهم:
أصحابنا قصدوا الصبوح بسحرة وأتى رســـولهم إليَّ خصيصا
قالوا: اقترح شيئا نجد لك طبخه قلت: اطبخــوا لي جبَّةً وقميصا
أقام (اطبخوا) مقام (خيِّطوا) لدلالة المعمول وهو (جبَّة القميص) عليه قصدًا إلى المشاكلة بين ما يخاط وما يطبخ. راجع: "الإيضاح في علوم البلاغة" للخطيب القزويني (1/ 327).
ومثال ذلك من القرآن قوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 54]؛ فقد وقع ﴿خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ في جهة الله تعالى في الآية السابقة من قبيل هذا المبحث في علوم اللغة العربية التي نزل القرآن الكريم على قواعدها.
وبناءً على ذلك: فيصح عدُّ الدائم من أسماء الله الحسنى؛ لوروده في بعض طرق الحديث، وجريًا على قاعدة الإمام الغزالي؛ لصحَّة معناه، وإثباته كمالًا في حقِّه سبحانه وتعالى بأنَّه هو الذي لا يلحقه زوالٌ ولا فناءٌ.
وأما ما يتعلَّق بتسمية الشَّركة بهذا الاسم فإنَّ لله تعالى أسماء يختص بها ولا يجوز أن تطلق على غيره، كاسم "الله"، و"الرب"، و"الرحمن"، كما أنَّ لله تعالى أسماء لا تختص به ويجوز أن تطلق على غيره، ومنها أنه تعالى سمى نفسه الرؤوف الرحيم؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: 65] وأطلق على نبيه الرؤوف الرحيم؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]. وسمى نفسه الملك؛ قال تعالى: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: 23]. وسمى بعض عباده بالملك؛ قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ [يوسف: 43]. وسمى نفسه العزيز؛ قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللهُ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 62]. وأطلق على بعض عباده اسم العزيز: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ [يوسف: 51].
وروى الإمام البخاري في "صحيحه" عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أَخْنَى الأَسْمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلَاكِ».
وروى الإمام مسلم عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَخْبَثُهُ وَأَغْيَظُهُ عَلَيْهِ، رَجُل كَانَ يُسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ، لَا مَلِكَ إِلَّا اللهُ».
وقد فرَّق الفقهاء في نصوصهم بين الأسماء التي يختص الله تعالى بها ومن ثم لا يجوز أن يتسمى بها غيره، لا الأشخاص ولا الشركات ولا المحلات ولا العملات ولا غير ذلك، وبين ما لا يختص به سبحانه، وإنما يمكن أن يكون مشتركًا بين الله تعالى وبين عباده وهو في إطلاقه على العباد يختلف عما يراد به في حقِّ الله تعالى، وهذا حاصلٌ واقعٌ في القرآن الكريم كما أسلفنا من إطلاق الله تعالى على نفسه أسماء ثم يطلقها على غيره، خاصة إذا صحّ أن يقاس عليها غيرها مما هو في معناها، فيجوز للإنسان أن يتسَّمى بالعليّ أو الكبير أو الرشيد أو البديع وفي معنى هذه الأسماء الدَّايم، والذي يراد به في حقِّ الله غير ما يراد به في حقِّ العبد.
وقد قرَّرَ فقهاء الحنفية جواز التَّسمِّي بالأسماء المشتركة التي تليق بالعباد ولا توهم منازعةَ الله في أسمائه وصفاته؛ فقد جاء في "بريقة المحمودية" (3/ 234، ط. مطبعة الحلبي): [أن التسمية باسمٍ لله يوجد في كتاب الله تعالى؛ كالعلي والكبير والرشيد والبديع جائز؛ لأنه من الأسماء المشتركة ويراد به في حق العباد غير ما يراد به في حق الله تعالى] اهـ.
وقال في "الدر المختار وحاشية ابن عابدين رد المحتار" (6/ 417): [(قوله وجاز التسمية بعلي... إلخ) الذي في "التتارخانية" عن "السراجية" التسمية باسم يوجد في كتاب الله تعالى كالعلي والكبير والرشيد والبديع جائزة... إلخ، ومثله في المنح عنها، وظاهره الجواز ولو معرفا بأل. وقال: «أحبّ الأسماءِ إلى الله تعالى عبدُ الله وعبدُ الرَّحمن» وجاز التسمية بعلي ورشيد من الأسماء المشتركة ويراد في حقنا غير ما يراد في حق الله تعالى] اهـ.
والدايم من هذا النوع الذي يجوز التسمي به؛ وذلك لأنه يراد به في حق العباد غير ما يراد به في حق الله تعالى.
وقال العلَّامة الرملي الكبير في "حاشيته على أسنى المطالب في شرح روض الطالب" (4/ 244، ط. دار الكتاب الإسلامي) معلقًا على كلام شيخ الإسلام زكريا الأنصاري: [استفدنا من كلامهم هنا جواز التسمية بأسماء الله تعالى التي لا تختص به، أما المختص به فيحرم، وبذلك صرح النووي في "شرح مسلم"] اهـ.
وقال في "كشاف القناع عن متن الإقناع" (3/ 26): [(ويحرم) التسمية (بملك الأملاك ونحوه) مما يوازي أسماء الله؛ كسلطان السلاطين، وشاهنشاه؛ لما روى أحمد: «اشْتَدَّ غضبُ الله عَلَى رَجُلٍ تسمّى مَلك الأمْلَاك، لا مَلك إلا الله». (و) يحرم أيضًا التسمية (بما لا يليق إلا بالله كقدوس، والبر وخالق ورحمن)؛ لأن معنى ذلك لا يليق بغيره] اهـ.
وقال في "تحفة المودود بأحكام المولود" (ص: 125): [وَمِمَّا يُمْنَع تَسْمِيَة الْإِنْسَان بِهِ أَسمَاء الرب تبَارك وَتَعَالَى، فَلَا يجوز التَّسْمِيَة بالأحد والصمد وَلَا بالخالق وَلَا بالرازق وَكَذَلِكَ سَائِر الْأَسْمَاء المختصة بالرب تبَارك وَتَعَالَى، وَلَا تجوز تَسْمِيَة الْمُلُوك بالقاهر وَالظَّاهِر كَمَا لَا يجوز تسميتهم بالجبار والمتكبر وَالْأول وَالْآخر وَالْبَاطِن وعلام الغيوب] اهـ.
وتسمية الشركة بـــ"شركة الدايم" الإضافةُ فيه للاختصاص بمعنى اللام، وهو أحد معاني الإضافة التي تأتي في اللغة، وقد تكون بمعنى الظرفية بمعنى (في) أو بمعنى التبعيض بمعنى (من)، قال في "أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك" (3/ 72، ط. دار الفكر): [وتكون الإضافة على معنى "اللام" بأكثرية، وعلى معنى "من" بكثرة، وعلى معنى "في" بقلة. وضابط التي بمعنى "في": أن يكون الثاني ظرفًا للأول؛ نحو: ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ﴾، و﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾، والتي بمعنى "من": أن يكون المضاف بعض المضاف إليه وصالحًا للإخبار به عنه؛ كـ"خاتم فضة"؛ ألا ترى أن الخاتم بعض جنس الفضة، وأنه يقال: هذا الخاتم فضة] اهـ.
فإذا أطلق صاحب الشركة هذا الاسم على شركته قاصدًا أنَّ هذه الشركة منسوبة لله سبحانه كما يقول الناس: (مسجد الرحمن) مثلًا، فلا مانع من ذلك، وإن أطلق هذا الاسم قاصدًا أن هذه الشركة مملوكةٌ أو مختصة بهذا الشخص المسمى بالدايم مجازًا فلا مانع منه بناءً على ما سبق بيانه.
وبناءً على ذلك: فإنَّ تسمية الشركة باسم (شركة الدايم) أو (الدايم) جائزٌ شرعًا؛ لأن هذا الاسم ليس من الأسماء المختصة بالله تعالى، وإنما هو من الأسماء المشتركة التي يراد بها في حقِّ العبد ما لا يراد بها في حقِّ الله سبحانه.
والله سبحانه وتعالى أعلم. 

اقرأ أيضا

تسمية شركة باسم الدايم

هل يجوز تسمية شركة باسم "الدايم"؟ وهل هذا الاسم من أسماء الله الحسنى؟ 

لا مانع شرعًا من تسمية شركةٍ ما باسم (شركة الدايم) أو (الدايم)، وهذا الاسم وإن عدّه جمهور العلماء من أسماء الله الحسنى إلا أنه من قبيل الأسماء المشتركة التي يجوز تسمي غير الله بها، ويراد به في حق العباد غير ما يراد في حق الله تعالى. 

التفاصيل ....

"الأسماءُ الحسنَى" مركَّبٌ لفظيٌّ، يتوقف فهمه على فهم شِقَّيه؛ فالشِّقُّ الأوَّل: "الأسماء"، والشِّقُّ الثَّاني: "الحُسنَى":
1- والأسماءُ: جمعُ اسمٍ، وهو العلامَة تُوضَعُ على الشَّيءِ يُعرف بها.
واختلفوا في اشتِقاقِهِ:
- فقد ذهب الكوفيون إلى أنَّه مشتَقٌّ من (وَسم) وهو العلَامة.
- وذهب البصريون إلى أنه مشتَقٌّ من (السُّمو) وهو العُلُو.
وهذا بناءً على الخلاف بين البصريين والكوفيين في أصل الاشتقاق، فيرى الكوفيون أنه الفعل، ويرى البصريون أنه المصدر. انظر: "شرح المفصَّل" لابن يعيش (1/ 23، ط. دار الكتب العلمية)، و"الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين" (1/ 8، ط. المكتبة العصرية).
2- والحُسْنَى: على وزن فُعْلَى، مؤنَّث الأَحسَن، أو مصدر كَذِكْرَى، وَوُصِفَ بِه، والأحسنُ من الحُسن، وهو الجمال، إلَّا أن الحُسنَ في الأصل للصورة، ثم استُعمِل في الأفعال والأخلاق، والجمالَ في الأصل للأَفعال والأخلاق والأحوال الظَّاهرة، ثم استعمل في الصورة. انظر: "معجم الفروق اللغوية" (ص: 166).
- والمقصود بأسماء الله الحسنى: أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل ألفاظًا تدلُّ على ذاته وتشير إليها، وهي أسماؤه، وكلُّ لفظٍ من هذه الألفاظ يُراد منه المعنى الأحسن والأكمل في حقِّه سبحانه وتعالى؛ فكانت الحُسنَى من هذه الجهة.
ووجه الحُسن في أسماء الله كذلك أنَّها دالَّةٌ على مُسَمَّىَ الله، فكانت حُسنى لدلالتِها على أحسنِ، وأعظمِ، وأقدسِ مُسَمَّى، وهو الله عزَّ وجلَّ.
ومادَّةُ (د ا م) التي منها اسم الدَّائِم أصلُها (دَوَمَ) وتأتي بمعني السكون واللزوم، ودام الشيء يدوم طال زمانه؛ قال في "مقاييس اللغة" (2/ 315، ط. دار الفكر): [(دَوَمَ) الدَّالُ وَالْوَاوُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى السُّكُونِ وَاللُّزُومِ. يُقَالُ: دَامَ الشَّيْءُ يَدُومُ، إِذَا سَكَنَ] اهـ.
وقال العلامة الزَّبيدي في "تاج العروس" (32/ 180، ط. دار الهداية): [(الدَّيُّوم): الدَّائِم مِنْه، كَمَا قَالُوا: قَيُّوم. (والدَّوْمُ: الدَّائِم) من دَامَ الشَّيءُ يَدُومُ إِذا طَالَ زَمانُه، أ(و) من (دَامَ) الشَّيءُ إِذا (سَكَن، وَمِنْه: الماءُ الدَّائِم) والظّلُّ الدَّائِم] اهـ.
وقد أُبْدِلَتِ الهمزةُ فيه من حرف العلَّة وجوبًا على قواعد اللغة؛ قال في "شرح المفصل" لابن يعيش (5/ 348): [قال صاحب "الكتاب": فالهمزة أُبدلت من حروف اللِّين، ومن الهاء والعين، فإبدالها من حروف اللين على ضربين: مطَّرَدٌ، وغير مُطَّرَدٍ، والمطَّرد على ضربين: واجب وجائز، فالواجب إبدالها من ألف التأنيث في نحو: "حمراء" و"صحراء"، والمنقلبة لامًا في نحو: "كساءٍ" و"رداءٍ" و"علباءٍ"؛ أو عينًا في نحو "قائلٍ"، و"بائعٍ"، ومن كل واو" ثم سهلت الهمزة إلى الياء تخفيفًا] اهـ.
وقال الشيخ الأشموني في "شرح الأشموني لألفية ابن مالك" (4/ 89، ط. دار الكتب العلمية): [الثالث: يكتب نحو: "قائل"، و"بائع" بالياء على حكم التخفيف؛ لأنَّ قياس الهمزة في ذلك أن تسهل بين الهمزة والياء، فلذلك كتبت ياء] اهـ.
وقد ورد اسم "الدائم" في بعض الطرق والروايات المفصلة للتسعة والتسعين اسمًا المشار إليها في الحديث الصحيح؛ حيث روى ابن ماجه في "سننه"، والطبراني في "الدعاء"، وأبو نعيم الأصبهاني في جزءٍ له اسمه "طرق حديث «إن لله تسعة وتسعين اسمًا»" من طريق عبد الرحمن الأعرج رضي الله عنه عن أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه أيضًا ابن الأعرابي في معجمه عن محمد بن سيرين رضي الله عنه عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (1/ 63، ط. دار الكتب العلمية) وقال: [هذا حديث محفوظ من حديث أيوب وهشام، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنهم مختصرًا دون ذكر الأسامي الزائدة فيها، كلها في القرآن، وعبد العزيز بن الحصين بن الترجمان رضي الله عنه ثقة، وإن لم يخرجاه، وإنما جعلته شاهدًا للحديث الأول] اهـ.
كما أخرجه الإمام البيهقي في "الاعتقاد"، و"الأسماء والصفات"، وقال في "الأسماء والصفات" (1/ 32، ط. مكتبة السوادي): [فإن كان محفوظًا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكأنه قصد أنَّ من أحصى من أسماء الله تعالى تسعة وتسعين اسمًا دخل الجنة، سواء أحصاها مما نقلنا في حديث الوليد بن مسلم، أو مما نقلناه في حديث عبد العزيز بن الحصين، أو من سائر ما دلَّ عليه الكتاب والسنة، والله أعلم. وهذه الأسامي كلها في كتاب الله تعالى وفي سائر أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نصًا أو دلالة] اهـ.
وقد تفرَّد ابن منده في كتاب "التوحيد" في روايته لحديث: «لا تسبُّوا الدَّهْرَ» بزيادة: «إنَّ الله هُوَ الدَّائم» ولم يخرِّجها غيره.
والمحققون على أنه قد وقع اختلافٌ شديدٌ في سرد الأسماء الحسنى زيادةً ونقصًا؛ لذا جرى الخلاف في قبول ما جاءت به الروايات هل تأخذ حكم المرفوع، أو هي من قبيل المدرج، قال أبو الحسن السِّندي في حاشيته على "سنن ابن ماجه" المسماة "كفاية الحاجة" (2/ 439، ط. دار الجيل): [واختلف العلماء في سرد الأسماء: هل هو مرفوع أو مدرج في الخبر من بعض الرواة؟ فمشى كثير منهم على الأول، وذهب آخرون إلى تعين أنه مدرج لخلو أكثر الروايات عنه، وقال البيهقي: يحتمل أن يكون التعيين وقع عن بعض رواة الطريقين معًا، ولهذا وقع الاختلاف الشديد بينهما، ولهذا الاحتمال ترك الشيخان تخريج التعيين، والله أعلم. وفي الزوائد لم يخرج أحد من الأئمة الستة عدد أسماء الله الحسنى من هذا الوجه ولا من غيره غير أن ابن ماجه والترمذي مع تقديم وتأخير، وطريق الترمذي أصح شيء في الباب، وقال: وإسناد طريق ابن ماجه ضعيف لضعف عبد الملك بن محمد] اهـ.
وجمهور العلماء على أن أسماء الله تعالى ليست محصورة في تسعة وتسعين اسمًا، وأن لله تعالى أسماء غير التسعة والتسعين التي صرَّح بها الحديث، وهو ما رجَّحه الإمام الغزالي ذاهبًا إلى أن فائدة الحصر في الحديث الشريف هي أن هذا العدد من أسماء الله الحسنى له هذا الفضل الموعود به عند الله تعالى وهو دخول الجنة؛ قال رحمه الله في "المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى" (ص: 120، ط. مكتبة الكليات الأزهرية): [وأما الحديث الوارد في الحصر فإنه يشتمل على قضية واحدة لا على قضيتين، وهو كالملك الذي له ألف عبد مثلًا فيقول القائل: إن للملك تسعة وتسعين عبدًا من استظهر بهم لم تقاومه الأعداء، فيكون التخصيص لأجل حصول الاستظهار بهم، إما لمزيد قوتهم، وإما لكفاية ذلك العدد في دفع الأعداء من غير حاجة إلى زيادة، لَا لِاختصاص الوجود بهم] اهـ.
ومن الأدلَّةِ على ذلك أيضًا الأسماء الكثيرة التي وردت في القرآن الكريم والسنة المشرفة، وليس لها ذكر في رواية الوليد بن مسلم المشهورة، ومن هذه الروايات ما رواه أبو داود رحمه الله عن أنس بن مالك رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم جَالِسًا وَرَجُلٌ يُصَلِّى ثُمَّ دَعَا: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ". فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: «لَقَدْ دَعَا اللهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ الَّذِى إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى».
ويضاف إلى ذلك أن اسم الدَّائم يشتمل على كمالٍ لا يخفى، وذلك جارٍ على قاعدة الإمام الغزالي رحمه الله في جواز إطلاق اسم على الله تعالى غير الوارد في القرآن الكريم والسنة المشرَّفةِ؛ إذا رُوعِيَ فيه أربعةُ شروطٍ مجتمعة هي:
- أن يكون واردًا في نصٍّ صحيحٍ من قرآنٍ أو سنةٍ.
- ألَّا يوهم هذا الوصف نقصًا في حقِّ الله تعالى.
- ألَّا يكون وروده على سبيل المشاكلة.
- أن يكون من باب الصِّفات لا من باب الأسماء. ينظر: "المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى" (ص: 125).
والمُشَاكَلة بابٌ من أبواب البلاغة، وهي: "ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته، أي: لمجيئه معه". ومثالها في كلام العرب قول أحمد الأنطاكي وقد دعاه أصحابه إلى السفر في يوم بارد، وأغروه بأنهم سيجيدون طبخ ما يريد أكله، لكن حاجته إلى الثياب كانت أشد من حاجته إلى الطعام فكتب إليهم:
أصحابنا قصدوا الصبوح بسحرة وأتى رســـولهم إليَّ خصيصا
قالوا: اقترح شيئا نجد لك طبخه قلت: اطبخــوا لي جبَّةً وقميصا
أقام (اطبخوا) مقام (خيِّطوا) لدلالة المعمول وهو (جبَّة القميص) عليه قصدًا إلى المشاكلة بين ما يخاط وما يطبخ. راجع: "الإيضاح في علوم البلاغة" للخطيب القزويني (1/ 327).
ومثال ذلك من القرآن قوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 54]؛ فقد وقع ﴿خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ في جهة الله تعالى في الآية السابقة من قبيل هذا المبحث في علوم اللغة العربية التي نزل القرآن الكريم على قواعدها.
وبناءً على ذلك: فيصح عدُّ الدائم من أسماء الله الحسنى؛ لوروده في بعض طرق الحديث، وجريًا على قاعدة الإمام الغزالي؛ لصحَّة معناه، وإثباته كمالًا في حقِّه سبحانه وتعالى بأنَّه هو الذي لا يلحقه زوالٌ ولا فناءٌ.
وأما ما يتعلَّق بتسمية الشَّركة بهذا الاسم فإنَّ لله تعالى أسماء يختص بها ولا يجوز أن تطلق على غيره، كاسم "الله"، و"الرب"، و"الرحمن"، كما أنَّ لله تعالى أسماء لا تختص به ويجوز أن تطلق على غيره، ومنها أنه تعالى سمى نفسه الرؤوف الرحيم؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: 65] وأطلق على نبيه الرؤوف الرحيم؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]. وسمى نفسه الملك؛ قال تعالى: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: 23]. وسمى بعض عباده بالملك؛ قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ [يوسف: 43]. وسمى نفسه العزيز؛ قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللهُ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 62]. وأطلق على بعض عباده اسم العزيز: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ [يوسف: 51].
وروى الإمام البخاري في "صحيحه" عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أَخْنَى الأَسْمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلَاكِ».
وروى الإمام مسلم عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَخْبَثُهُ وَأَغْيَظُهُ عَلَيْهِ، رَجُل كَانَ يُسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ، لَا مَلِكَ إِلَّا اللهُ».
وقد فرَّق الفقهاء في نصوصهم بين الأسماء التي يختص الله تعالى بها ومن ثم لا يجوز أن يتسمى بها غيره، لا الأشخاص ولا الشركات ولا المحلات ولا العملات ولا غير ذلك، وبين ما لا يختص به سبحانه، وإنما يمكن أن يكون مشتركًا بين الله تعالى وبين عباده وهو في إطلاقه على العباد يختلف عما يراد به في حقِّ الله تعالى، وهذا حاصلٌ واقعٌ في القرآن الكريم كما أسلفنا من إطلاق الله تعالى على نفسه أسماء ثم يطلقها على غيره، خاصة إذا صحّ أن يقاس عليها غيرها مما هو في معناها، فيجوز للإنسان أن يتسَّمى بالعليّ أو الكبير أو الرشيد أو البديع وفي معنى هذه الأسماء الدَّايم، والذي يراد به في حقِّ الله غير ما يراد به في حقِّ العبد.
وقد قرَّرَ فقهاء الحنفية جواز التَّسمِّي بالأسماء المشتركة التي تليق بالعباد ولا توهم منازعةَ الله في أسمائه وصفاته؛ فقد جاء في "بريقة المحمودية" (3/ 234، ط. مطبعة الحلبي): [أن التسمية باسمٍ لله يوجد في كتاب الله تعالى؛ كالعلي والكبير والرشيد والبديع جائز؛ لأنه من الأسماء المشتركة ويراد به في حق العباد غير ما يراد به في حق الله تعالى] اهـ.
وقال في "الدر المختار وحاشية ابن عابدين رد المحتار" (6/ 417): [(قوله وجاز التسمية بعلي... إلخ) الذي في "التتارخانية" عن "السراجية" التسمية باسم يوجد في كتاب الله تعالى كالعلي والكبير والرشيد والبديع جائزة... إلخ، ومثله في المنح عنها، وظاهره الجواز ولو معرفا بأل. وقال: «أحبّ الأسماءِ إلى الله تعالى عبدُ الله وعبدُ الرَّحمن» وجاز التسمية بعلي ورشيد من الأسماء المشتركة ويراد في حقنا غير ما يراد في حق الله تعالى] اهـ.
والدايم من هذا النوع الذي يجوز التسمي به؛ وذلك لأنه يراد به في حق العباد غير ما يراد به في حق الله تعالى.
وقال العلَّامة الرملي الكبير في "حاشيته على أسنى المطالب في شرح روض الطالب" (4/ 244، ط. دار الكتاب الإسلامي) معلقًا على كلام شيخ الإسلام زكريا الأنصاري: [استفدنا من كلامهم هنا جواز التسمية بأسماء الله تعالى التي لا تختص به، أما المختص به فيحرم، وبذلك صرح النووي في "شرح مسلم"] اهـ.
وقال في "كشاف القناع عن متن الإقناع" (3/ 26): [(ويحرم) التسمية (بملك الأملاك ونحوه) مما يوازي أسماء الله؛ كسلطان السلاطين، وشاهنشاه؛ لما روى أحمد: «اشْتَدَّ غضبُ الله عَلَى رَجُلٍ تسمّى مَلك الأمْلَاك، لا مَلك إلا الله». (و) يحرم أيضًا التسمية (بما لا يليق إلا بالله كقدوس، والبر وخالق ورحمن)؛ لأن معنى ذلك لا يليق بغيره] اهـ.
وقال في "تحفة المودود بأحكام المولود" (ص: 125): [وَمِمَّا يُمْنَع تَسْمِيَة الْإِنْسَان بِهِ أَسمَاء الرب تبَارك وَتَعَالَى، فَلَا يجوز التَّسْمِيَة بالأحد والصمد وَلَا بالخالق وَلَا بالرازق وَكَذَلِكَ سَائِر الْأَسْمَاء المختصة بالرب تبَارك وَتَعَالَى، وَلَا تجوز تَسْمِيَة الْمُلُوك بالقاهر وَالظَّاهِر كَمَا لَا يجوز تسميتهم بالجبار والمتكبر وَالْأول وَالْآخر وَالْبَاطِن وعلام الغيوب] اهـ.
وتسمية الشركة بـــ"شركة الدايم" الإضافةُ فيه للاختصاص بمعنى اللام، وهو أحد معاني الإضافة التي تأتي في اللغة، وقد تكون بمعنى الظرفية بمعنى (في) أو بمعنى التبعيض بمعنى (من)، قال في "أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك" (3/ 72، ط. دار الفكر): [وتكون الإضافة على معنى "اللام" بأكثرية، وعلى معنى "من" بكثرة، وعلى معنى "في" بقلة. وضابط التي بمعنى "في": أن يكون الثاني ظرفًا للأول؛ نحو: ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ﴾، و﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾، والتي بمعنى "من": أن يكون المضاف بعض المضاف إليه وصالحًا للإخبار به عنه؛ كـ"خاتم فضة"؛ ألا ترى أن الخاتم بعض جنس الفضة، وأنه يقال: هذا الخاتم فضة] اهـ.
فإذا أطلق صاحب الشركة هذا الاسم على شركته قاصدًا أنَّ هذه الشركة منسوبة لله سبحانه كما يقول الناس: (مسجد الرحمن) مثلًا، فلا مانع من ذلك، وإن أطلق هذا الاسم قاصدًا أن هذه الشركة مملوكةٌ أو مختصة بهذا الشخص المسمى بالدايم مجازًا فلا مانع منه بناءً على ما سبق بيانه.
وبناءً على ذلك: فإنَّ تسمية الشركة باسم (شركة الدايم) أو (الدايم) جائزٌ شرعًا؛ لأن هذا الاسم ليس من الأسماء المختصة بالله تعالى، وإنما هو من الأسماء المشتركة التي يراد بها في حقِّ العبد ما لا يراد بها في حقِّ الله سبحانه.
والله سبحانه وتعالى أعلم. 

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;