تقليد العامي أحد مذاهب المجتهدين

هل يجب على العامي أن يلتزم مذهبًا مُعيَّنًا من المذاهب الفقهية؟ أم يجوز له أن يُقلِّد أي المذاهب، ويتخيَّر من أقوال المُجتهدين؟ أفيدونا أفادكم الله. 

ملخص القول في هذه المسألة أن الشريعة الإسلامية جاءت واسعةً شاملةً لأقوال الأئمة ومذاهبهم على اختلاف مشاربهم رضي الله عنهم، واختلافهم رحمةٌ بالمُكلَّفين، وموهبةٌ من مواهب الله تعالى لهذه الأمة المحمدية. وعلى ذلك فالأصل أنَّ العامي لا مذهبَ له، وله أن يُقلد ما شاء مِن أقوال المُجتهدين والأئمة المُعتبَرين مِن غير حَجْرٍ عليه في ذلك، ومذهبُه في ذلك مذهب مُفتيه. 

التفاصيل ....

تسويغ الفتوى بأي قولٍ من أقوال المجتهدين هو من التيسير الذي جاءت به الشريعة للمُكلَّفين، ومن أسباب رفع الحرج عنهم؛ قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78].
وعن أَبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَم تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» أخرجه البخاري في "الصحيح".
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «اللهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ» أخرجه مسلم في "الصحيح".
قال القاضي عياض المالكي في "إكمال المُعلم" (6/ 229، ط. دار الوفاء): [فيه الحضُّ على الرفق والنهيُ عن المشقة، وهو الذي أمر الله به نبيه صلى الله عليه وآله وسلَّم ووصفه به، وحضَّ عليه صلى الله عليه وآله وسلَّم في غير حديث، وأثنى عليه، وأنه يثيب على الرفق ما لا يثيب على المشقة؛ والمشقة: المضرّة والجَهد] اهـ.
وعن أنس رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا» رواه الإمامان البخاري ومسلم في "صحيحيهما".
قال الإمام العيني الحنفي في "عمدة القاري" (2/ 47، ط. دار إحياء التراث العربي): [وهذا الحديث من جوامع الكلم؛ لاشتماله على خيري الدنيا والآخرة؛ لأنَّ الدنيا دار الأعمال، والآخرة دار الجزاء، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يتعلق بالدنيا بالتسهيل، وفيما يتعلق بالآخرة بالوعد بالخير والإخبار بالسرور: تحقيقًا لكونه رحمة للعالمين في الدارين] اهـ.
وعن أُم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "مَا خُيِّرَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وَسَلَّمَ فِي أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا" متفقٌ عليه.
قال القاضي عياض المالكي في "إكمال المُعلم" (7/ 291): [فيه: الأخذُ بالأيسر والأرفق، وتركُ التكلف، وطلبُ الْمُطَاق] اهـ.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ اختلاف الصحابة رحمة، وأنَّ الهداية حاصلة بالأخذ بقول أي واحد منهم؛ فعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ؛ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» أخرجه الآجري في "الشريعة"، وابن بطة في "الإبانة الكبرى".
وروى الحافظ البيهقي في "المدخل" من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَهْمَا أُوتِيتُمْ مِنْ كِتَابِ الله فَالْعَمَل بِهِ؛ لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ فِي تَرْكِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ الله فَسُنَّةٌ مِنِّي مَاضِيَة، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سُنَّتِي فَمَا قَالَ أَصْحَابِي؛ إِنَّ أَصْحَابِي بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ، فَأَيّمَا أَخَذْتُمْ بِهِ اهْتَدَيْتُمْ، وَاخْتِلَافُ أَصْحَابِي لَكُمْ رَحْمَةٌ».
وهذا التخيير بين أقوال المجتهدين هو من جزيل مواهب الله تعالى على عباده؛ ولذلك قال الحافظ السيوطي في كتابه "جزيل المواهب في اختلاف المذاهب" (ص: 21، ط. دار الاعتصام): [في هذا الحديث فوائد:
إخباره صلى الله عليه وآله وسلم باختلاف المذاهب بعده في الفروع، وذلك من معجزاته؛ لأنه من الإخبار بالمغيَّبات، ورضاه بذلك، وتقريرُه عليه، ومدحُه له؛ حيث جعله رحمة، والتخيير للمكلف في الأخذ بأيها شاء من غير تعيين لأحدها.
واستُنبِط منه: أن كل المجتهدين على هدى، فكلهم على حق، فلا لوم على أحد منهم، ولا ينسب إلى أحد منهم تخطئة؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «فَأَيّمَا أَخَذْتُمْ بِهِ اهْتَدَيْتُمْ»، فلو كان المصيب واحدًا والباقي خطأ، لم تحصل الهداية بالأخذ بالخطأ] اهـ.
والشرع الشريف لم يكلف العوامَّ إلّا سؤال أهل العلم؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]، وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
قال الإمام القرطبي في تفسيره "الجامع لأحكام القرآن" (11/ 272، ط. دار الكتب المصرية): [لم يختلف العلماء أنَّ العامة عليها تقليد علمائها، وأنَّهم المراد بقول الله عز وجل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾] اهـ.
وقد عاش السلف الصالح رضوان الله عليهم هذا المنهج في عباداتهم ومعاملاتهم، إفتاءً واستفتاءً؛ فقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْجَدِّ رَأَيًا، فَإِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تَتَّبِعُوهُ فَاتَّبِعُوهُ"، فقال عثمان رضي الله عنه: "إِنْ نَتَّبِعْ رَأْيَكَ: فَإِنَّكَ رُشْدٌ، وَإِنْ نَتَّبِعْ رَأْيَ الشَّيْخِ قَبْلَكَ: فَنِعْمَ ذُو الرَّأْيِ كَانَ" أخرجه عبد الرزَّاق في "المصنَّف"، والدارمي في "السنن"، والحاكم في "المستدرك" وصححه، والبيهقي في "السنن الكبرى".
وعن عون بن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال: "مَا أُحِبُّ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ لَمْ يَخْتَلِفُوا، فَإِنَّهُمْ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى شَيْءٍ فَتَرَكَهُ رَجُلٌ: تَرَكَ السُّنَّةَ، وَلَوِ اخْتَلَفُوا فَأَخَذَ رَجُلٌ بِقَوْلِ أَحَدٍ: أَخَذَ بِالسُّنَّةِ" أخرجه الدارمي في "السنن".
وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: "مَا سَرَّنِي لَوْ أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ لَمْ يَخْتَلِفُوا؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَخْتَلِفُوا لَمْ تَكُنْ رُخْصَةٌ".
وفي لفظٍ آخر عنه: "مَا يَسُرُّنِي بِاخْتِلَافِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ حُمْرُ النَّعَمِ؛ لَأَنَّا إِنْ أَخَذْنَا بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ أَصَبْنَا، وَإِنْ أَخَذْنَا بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ أَصَبْنَا" أخرجهما الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه".
وعن حُمَيدٍ الطويل قال: قلت لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: لو جمعتَ الناس على شيء؟ فقال: "مَا يَسُرُّنِي أَنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا"، قال: ثم كتب إلى الآفاق وإلى الأمصار: "لِيَقْضِ كُلُّ قَوْمٍ بِمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فُقَهَاؤُهُمْ" أخرجه الدارمي في "السنن".
وقال سفيان الثوري: "مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ؛ فَلَا أَنْهَى أَحَدًا مِنْ إِخْوَانِي أَنْ يَأْخُذَ بِهِ" أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه".
ولذلك أجمع الفقهاء على أنَّ للمسلم العامِّي أن يُقلِّد ما شاء مِن مذاهب العلماء كما يشاء: قال الإمام القرافي المالكي في "شرح تنقيح الفصول" (1/ 432، ط. الطباعة الفنية المتحدة): [قاعدة: انعقد الإجماع على أنَّ مَن أسلم فله أن يُقلِّد من شاء من العلماء بغير حَجْرٍ، وأجمع الصحابة رضوان الله عليهم على أن من استفتى أبا بكر وعمر رضي لله عنهما أو قلدهما: فله أن يستفتي أبا هريرة ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما وغيرهما ويعمل بقولهم من غير نكيرٍ، فمن ادَّعى رفع هذين الإجماعين فعليه الدليل] اهـ.
وتقرر عند العلماء فقهًا وأصولًا أنَّ العامِّيَ لا مذهبَ له؛ وإنَّما هو مُتَّبعٌ لمذهب أهل بلده، ومذهبُه حينئذٍ مذهب مُفتيه؛ إذ إنَّ العامِّيَّ ليس مؤهَّلًا للنظر في الأدلة، ولا هو من أهل العلم أو طلبته حتى يُتَصَوَّر في حقِّهِ فهم مذهب بعينه واستيعاب أقواله ومسائله حتى يُكلَّف بالتزامه، بل شأنه السؤال والاستفتاء، لا البحث والاستقصاء.
والأصل في المذاهب الفقهية الإسلامية التكامل والسعة، ونسبتُها إلى الشريعة متساوية، وأي منها يحقق المراد من المُكلَّف؛ قال الإمام عبد الوهاب الشعراني في "الميزان" (1/ 59، ط. عالم الكتب): [الشريعة كالشجرة العظيمة المنتشرة، وأقوال علمائها كالفروع والأغصان] اهـ.
وقال أيضًا في (1/ 74): [الشريعة المُطهرة جاءت شريعةً سمحاءَ واسعةً شاملةً قابلةً لسائر أقوال أئمة الهُدى مِن هذه الأمة المُحمَّدية، وأنَّ كُلَّا منهم –فيما هو عليه في نفسه- على بصيرةٍ من أمره وعلى صراطٍ مستقيم، وأنَّ اختلافهم إنَّما هو رحمة بالأمة، نشأ عن تدبير العليم الحكيم] اهـ.
وقال العلَّامة الفقيه مصطفى الزرقا في "المدخل الفقهي العام" (1/ 259، ط. دار القلم): [وهذه المذاهب الفقهية كلها نسبتها إلى الشريعة الإسلامية متساوية؛ فآراء فقهاء الصحابة ومن بعدهم من التابعين وتابعيهم؛ كابن أبي ليلى، وابن شبرمة، ومكحول، والأوزاعي، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وكثير غيرهم، لها مِن القيمة والاعتبار ما لآراء أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل. وليس من المُحتَّم أن يأخذ كل قُطرٍ مذهبَ أحد المُجتهدين بكامله، بل يمكن أن يأخذ من قواعد كل مذهب وأحكامه ما يرى أنَّه الأليق بالمصالح الزمنية] اهـ.
وقد راعى الشرع الشريف في مسائل الاجتهاد والخلاف طبائع المُكلَّفين وأحوالهم وأزمانهم وبيئاتهم وأعرافهم؛ ولذلك نص العلماء في قواعد الفقه وأصوله أنَّ الشأن في المسائل الخلافية أنه لا إنكار فيها، وأن الإنكار إنما يكون في مخالفة المتفق عليه، وأن من ابتُليَ بشيء من المختلَف فيه فليقلد من أجاز، ونصوا أيضًا على أن الخروج من الخلاف مستحب.
وقد قرر فقهاء المذاهب المُعتمدة أنَّ العاميَ لا مذهب له؛ بل له أن يُقَلِّدَ مَن شاء مِن المُجتهدين؛ لأنَّ مذهبه فتوى مُفتيه:
- فعند الحنفية:
قال الإمام كمال الدين بن الهمام الحنفي في "فتح القدير" (7/ 257، ط. دار الفكر): [والعامِّيُّ لا عِبرة بما يقع في قلبه من صواب الحكم وخطئه، وعلى هذا: إذا استفتى فقيهين -أعني مجتهدَيْن- فاختلفا عليه: الأَوْلَى أن يأخذ بما يميل إليه قلبُه منهما، وعندي: أنه لو أخذ بقول الذي لا يميل إليه قلبه جاز؛ لأنَّ ميله وعدمه سواء، والواجب عليه تقليد مجتهدٍ وقد فعل، أصاب ذلك المجتهد أو أخطأ] اهـ.
وقال العلَّامة ابن نُجيم الحنفي في "البحر الرائق" (2/ 90، ط. دار الكتاب الإسلامي): [وإن كان عاميًّا ليس له مذهب معين: فمذهبه فتوى مفتيه] اهـ.
وقال العلَّامة الشُرنبلالي الحنفي -فيما نقله عنه العلامة ابن عابدين في "ردِّ المحتار" (1/ 75، ط. دار الفكر)-: [فتحصَّلَ مما ذكرناه: أنه ليس على الإنسان التزامُ مذهبٍ معين، وأنه يجوز له العمل بما يخالف ما عَمِلَه على مذهبه مقلدًا فيه غيرَ إمامه، مستجمِعًا شروطه، ويعمل بأمرين متضادين في حادثتين لا تَعلُّقَ لواحدةٍ منهما بالأخرى] اهـ.
- وعند المالكية:
قال الإمام اللَّخمي المالكي في "التبصرة" (2/ 460، ط. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية): [إن كان بالبلد فقهاء ثلاثة، كل واحد منهم متمسِّك بقول منها ويرى غير رأي صاحبه وكلهم أهل للفتوى: للعامي أن يقلد أيهم أحب] اهـ.
وقال الإمام القرافي المالكي في "الذخيرة" (1/ 140-141، ط. دار الغرب الإسلامي): [قال الزناتي: والمذاهب كلها مسالك إلى الجنة وطرق إلى السعادة، فمن سلك منها طريقًا؛ وصله.
تنبيه: قال غيره: يجوز تقليد المذاهب والانتقال إليها في كل ما لا ينقض فيه حكم الحاكم؛ وهو أربعة: ما خالف الإجماع، أو القواعد، أو النص، أو القياس الجلي] اهـ.
- وعند الشافعية:
قال الإمام الزركشي الشافعي في "البحر المحيط" (8/ 380، ط. دار الكتبي): [وحكى الرافعي عن أبي الفتح الهروي أحد أصحاب الإمام أنَّ مذهب عامة أصحابنا: أنَّ العامي لا مذهب له] اهـ.
وقال العلَّامة ابن حجر الهيتمي في "الفتاوى الكبرى" (4/ 315، ط. المكتبة الإسلامية): [والأصح أنه مخيَّر في تقليد من شاء ولو مفضولًا عنده مع وجود الأفضل ما لم يتتبَّع الرخص، بل وإن تتبعها على ما قاله بعض أصحابنا واعتمده الشيخ عز الدين وأطال في الاستدلال له] اهـ.
- وعند الحنابلة:
قال الإمام ابن مُفلح الحنبلي في "الفروع" (11/ 346، ط. مؤسسة الرسالة): [وقال شيخنا: ومن أوجب تقليد إمام بعينه: استُتيب، فإن تاب وإلا قتل، وإن قال: ينبغي، كان جاهلًا ضالًا، قال: ومن كان متبعًا لإمام فخالفه في بعض المسائل لقوة الدليل أو لكون أحدهما أعلم وأتقى فقد أحسن ولم يقدح في عدالته بلا نزاع] اهـ.
وقال العلَّامة البهوتي الحنبلي في "كشَّاف القناع" (6/ 306، ط. دار الكتب العلمية): [ويجوز تقليد المفضول من المجتهدين مع وجود أفضل منه؛ لأنَّ المفضول من الصحابة والسلف كان يفتي مع الفاضل منهم مع الاشتهار والتكرار، ولم ينكر ذلك أحد، فكان إجماعًا] اهـ.
وبناءً على ذلك: فالشريعة الإسلامية جاءت واسعةً شاملةً لأقوال الأئمة ومذاهبهم، واختلافهم رحمةٌ بالمُكلَّفين، وموهبةٌ من مواهب الله تعالى لهذه الأمة المحمدية. والأصل أنَّ العامي لا مذهبَ له، وله أن يُقلد ما شاء مِن أقوال المُجتهدين والأئمة المُعتبَرين مِن غير حَجْرٍ عليه في ذلك، ومذهبُه في ذلك مذهب مُفتيه.
والله سبحانه وتعالى أعلم. 

اقرأ أيضا

تقليد العامي أحد مذاهب المجتهدين

هل يجب على العامي أن يلتزم مذهبًا مُعيَّنًا من المذاهب الفقهية؟ أم يجوز له أن يُقلِّد أي المذاهب، ويتخيَّر من أقوال المُجتهدين؟ أفيدونا أفادكم الله. 

ملخص القول في هذه المسألة أن الشريعة الإسلامية جاءت واسعةً شاملةً لأقوال الأئمة ومذاهبهم على اختلاف مشاربهم رضي الله عنهم، واختلافهم رحمةٌ بالمُكلَّفين، وموهبةٌ من مواهب الله تعالى لهذه الأمة المحمدية. وعلى ذلك فالأصل أنَّ العامي لا مذهبَ له، وله أن يُقلد ما شاء مِن أقوال المُجتهدين والأئمة المُعتبَرين مِن غير حَجْرٍ عليه في ذلك، ومذهبُه في ذلك مذهب مُفتيه. 

التفاصيل ....

تسويغ الفتوى بأي قولٍ من أقوال المجتهدين هو من التيسير الذي جاءت به الشريعة للمُكلَّفين، ومن أسباب رفع الحرج عنهم؛ قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78].
وعن أَبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَم تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» أخرجه البخاري في "الصحيح".
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «اللهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ» أخرجه مسلم في "الصحيح".
قال القاضي عياض المالكي في "إكمال المُعلم" (6/ 229، ط. دار الوفاء): [فيه الحضُّ على الرفق والنهيُ عن المشقة، وهو الذي أمر الله به نبيه صلى الله عليه وآله وسلَّم ووصفه به، وحضَّ عليه صلى الله عليه وآله وسلَّم في غير حديث، وأثنى عليه، وأنه يثيب على الرفق ما لا يثيب على المشقة؛ والمشقة: المضرّة والجَهد] اهـ.
وعن أنس رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا» رواه الإمامان البخاري ومسلم في "صحيحيهما".
قال الإمام العيني الحنفي في "عمدة القاري" (2/ 47، ط. دار إحياء التراث العربي): [وهذا الحديث من جوامع الكلم؛ لاشتماله على خيري الدنيا والآخرة؛ لأنَّ الدنيا دار الأعمال، والآخرة دار الجزاء، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يتعلق بالدنيا بالتسهيل، وفيما يتعلق بالآخرة بالوعد بالخير والإخبار بالسرور: تحقيقًا لكونه رحمة للعالمين في الدارين] اهـ.
وعن أُم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "مَا خُيِّرَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وَسَلَّمَ فِي أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا" متفقٌ عليه.
قال القاضي عياض المالكي في "إكمال المُعلم" (7/ 291): [فيه: الأخذُ بالأيسر والأرفق، وتركُ التكلف، وطلبُ الْمُطَاق] اهـ.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ اختلاف الصحابة رحمة، وأنَّ الهداية حاصلة بالأخذ بقول أي واحد منهم؛ فعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ؛ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» أخرجه الآجري في "الشريعة"، وابن بطة في "الإبانة الكبرى".
وروى الحافظ البيهقي في "المدخل" من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَهْمَا أُوتِيتُمْ مِنْ كِتَابِ الله فَالْعَمَل بِهِ؛ لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ فِي تَرْكِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ الله فَسُنَّةٌ مِنِّي مَاضِيَة، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سُنَّتِي فَمَا قَالَ أَصْحَابِي؛ إِنَّ أَصْحَابِي بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ، فَأَيّمَا أَخَذْتُمْ بِهِ اهْتَدَيْتُمْ، وَاخْتِلَافُ أَصْحَابِي لَكُمْ رَحْمَةٌ».
وهذا التخيير بين أقوال المجتهدين هو من جزيل مواهب الله تعالى على عباده؛ ولذلك قال الحافظ السيوطي في كتابه "جزيل المواهب في اختلاف المذاهب" (ص: 21، ط. دار الاعتصام): [في هذا الحديث فوائد:
إخباره صلى الله عليه وآله وسلم باختلاف المذاهب بعده في الفروع، وذلك من معجزاته؛ لأنه من الإخبار بالمغيَّبات، ورضاه بذلك، وتقريرُه عليه، ومدحُه له؛ حيث جعله رحمة، والتخيير للمكلف في الأخذ بأيها شاء من غير تعيين لأحدها.
واستُنبِط منه: أن كل المجتهدين على هدى، فكلهم على حق، فلا لوم على أحد منهم، ولا ينسب إلى أحد منهم تخطئة؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «فَأَيّمَا أَخَذْتُمْ بِهِ اهْتَدَيْتُمْ»، فلو كان المصيب واحدًا والباقي خطأ، لم تحصل الهداية بالأخذ بالخطأ] اهـ.
والشرع الشريف لم يكلف العوامَّ إلّا سؤال أهل العلم؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]، وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
قال الإمام القرطبي في تفسيره "الجامع لأحكام القرآن" (11/ 272، ط. دار الكتب المصرية): [لم يختلف العلماء أنَّ العامة عليها تقليد علمائها، وأنَّهم المراد بقول الله عز وجل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾] اهـ.
وقد عاش السلف الصالح رضوان الله عليهم هذا المنهج في عباداتهم ومعاملاتهم، إفتاءً واستفتاءً؛ فقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْجَدِّ رَأَيًا، فَإِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تَتَّبِعُوهُ فَاتَّبِعُوهُ"، فقال عثمان رضي الله عنه: "إِنْ نَتَّبِعْ رَأْيَكَ: فَإِنَّكَ رُشْدٌ، وَإِنْ نَتَّبِعْ رَأْيَ الشَّيْخِ قَبْلَكَ: فَنِعْمَ ذُو الرَّأْيِ كَانَ" أخرجه عبد الرزَّاق في "المصنَّف"، والدارمي في "السنن"، والحاكم في "المستدرك" وصححه، والبيهقي في "السنن الكبرى".
وعن عون بن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال: "مَا أُحِبُّ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ لَمْ يَخْتَلِفُوا، فَإِنَّهُمْ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى شَيْءٍ فَتَرَكَهُ رَجُلٌ: تَرَكَ السُّنَّةَ، وَلَوِ اخْتَلَفُوا فَأَخَذَ رَجُلٌ بِقَوْلِ أَحَدٍ: أَخَذَ بِالسُّنَّةِ" أخرجه الدارمي في "السنن".
وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: "مَا سَرَّنِي لَوْ أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ لَمْ يَخْتَلِفُوا؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَخْتَلِفُوا لَمْ تَكُنْ رُخْصَةٌ".
وفي لفظٍ آخر عنه: "مَا يَسُرُّنِي بِاخْتِلَافِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ حُمْرُ النَّعَمِ؛ لَأَنَّا إِنْ أَخَذْنَا بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ أَصَبْنَا، وَإِنْ أَخَذْنَا بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ أَصَبْنَا" أخرجهما الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه".
وعن حُمَيدٍ الطويل قال: قلت لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: لو جمعتَ الناس على شيء؟ فقال: "مَا يَسُرُّنِي أَنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا"، قال: ثم كتب إلى الآفاق وإلى الأمصار: "لِيَقْضِ كُلُّ قَوْمٍ بِمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فُقَهَاؤُهُمْ" أخرجه الدارمي في "السنن".
وقال سفيان الثوري: "مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ؛ فَلَا أَنْهَى أَحَدًا مِنْ إِخْوَانِي أَنْ يَأْخُذَ بِهِ" أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه".
ولذلك أجمع الفقهاء على أنَّ للمسلم العامِّي أن يُقلِّد ما شاء مِن مذاهب العلماء كما يشاء: قال الإمام القرافي المالكي في "شرح تنقيح الفصول" (1/ 432، ط. الطباعة الفنية المتحدة): [قاعدة: انعقد الإجماع على أنَّ مَن أسلم فله أن يُقلِّد من شاء من العلماء بغير حَجْرٍ، وأجمع الصحابة رضوان الله عليهم على أن من استفتى أبا بكر وعمر رضي لله عنهما أو قلدهما: فله أن يستفتي أبا هريرة ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما وغيرهما ويعمل بقولهم من غير نكيرٍ، فمن ادَّعى رفع هذين الإجماعين فعليه الدليل] اهـ.
وتقرر عند العلماء فقهًا وأصولًا أنَّ العامِّيَ لا مذهبَ له؛ وإنَّما هو مُتَّبعٌ لمذهب أهل بلده، ومذهبُه حينئذٍ مذهب مُفتيه؛ إذ إنَّ العامِّيَّ ليس مؤهَّلًا للنظر في الأدلة، ولا هو من أهل العلم أو طلبته حتى يُتَصَوَّر في حقِّهِ فهم مذهب بعينه واستيعاب أقواله ومسائله حتى يُكلَّف بالتزامه، بل شأنه السؤال والاستفتاء، لا البحث والاستقصاء.
والأصل في المذاهب الفقهية الإسلامية التكامل والسعة، ونسبتُها إلى الشريعة متساوية، وأي منها يحقق المراد من المُكلَّف؛ قال الإمام عبد الوهاب الشعراني في "الميزان" (1/ 59، ط. عالم الكتب): [الشريعة كالشجرة العظيمة المنتشرة، وأقوال علمائها كالفروع والأغصان] اهـ.
وقال أيضًا في (1/ 74): [الشريعة المُطهرة جاءت شريعةً سمحاءَ واسعةً شاملةً قابلةً لسائر أقوال أئمة الهُدى مِن هذه الأمة المُحمَّدية، وأنَّ كُلَّا منهم –فيما هو عليه في نفسه- على بصيرةٍ من أمره وعلى صراطٍ مستقيم، وأنَّ اختلافهم إنَّما هو رحمة بالأمة، نشأ عن تدبير العليم الحكيم] اهـ.
وقال العلَّامة الفقيه مصطفى الزرقا في "المدخل الفقهي العام" (1/ 259، ط. دار القلم): [وهذه المذاهب الفقهية كلها نسبتها إلى الشريعة الإسلامية متساوية؛ فآراء فقهاء الصحابة ومن بعدهم من التابعين وتابعيهم؛ كابن أبي ليلى، وابن شبرمة، ومكحول، والأوزاعي، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وكثير غيرهم، لها مِن القيمة والاعتبار ما لآراء أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل. وليس من المُحتَّم أن يأخذ كل قُطرٍ مذهبَ أحد المُجتهدين بكامله، بل يمكن أن يأخذ من قواعد كل مذهب وأحكامه ما يرى أنَّه الأليق بالمصالح الزمنية] اهـ.
وقد راعى الشرع الشريف في مسائل الاجتهاد والخلاف طبائع المُكلَّفين وأحوالهم وأزمانهم وبيئاتهم وأعرافهم؛ ولذلك نص العلماء في قواعد الفقه وأصوله أنَّ الشأن في المسائل الخلافية أنه لا إنكار فيها، وأن الإنكار إنما يكون في مخالفة المتفق عليه، وأن من ابتُليَ بشيء من المختلَف فيه فليقلد من أجاز، ونصوا أيضًا على أن الخروج من الخلاف مستحب.
وقد قرر فقهاء المذاهب المُعتمدة أنَّ العاميَ لا مذهب له؛ بل له أن يُقَلِّدَ مَن شاء مِن المُجتهدين؛ لأنَّ مذهبه فتوى مُفتيه:
- فعند الحنفية:
قال الإمام كمال الدين بن الهمام الحنفي في "فتح القدير" (7/ 257، ط. دار الفكر): [والعامِّيُّ لا عِبرة بما يقع في قلبه من صواب الحكم وخطئه، وعلى هذا: إذا استفتى فقيهين -أعني مجتهدَيْن- فاختلفا عليه: الأَوْلَى أن يأخذ بما يميل إليه قلبُه منهما، وعندي: أنه لو أخذ بقول الذي لا يميل إليه قلبه جاز؛ لأنَّ ميله وعدمه سواء، والواجب عليه تقليد مجتهدٍ وقد فعل، أصاب ذلك المجتهد أو أخطأ] اهـ.
وقال العلَّامة ابن نُجيم الحنفي في "البحر الرائق" (2/ 90، ط. دار الكتاب الإسلامي): [وإن كان عاميًّا ليس له مذهب معين: فمذهبه فتوى مفتيه] اهـ.
وقال العلَّامة الشُرنبلالي الحنفي -فيما نقله عنه العلامة ابن عابدين في "ردِّ المحتار" (1/ 75، ط. دار الفكر)-: [فتحصَّلَ مما ذكرناه: أنه ليس على الإنسان التزامُ مذهبٍ معين، وأنه يجوز له العمل بما يخالف ما عَمِلَه على مذهبه مقلدًا فيه غيرَ إمامه، مستجمِعًا شروطه، ويعمل بأمرين متضادين في حادثتين لا تَعلُّقَ لواحدةٍ منهما بالأخرى] اهـ.
- وعند المالكية:
قال الإمام اللَّخمي المالكي في "التبصرة" (2/ 460، ط. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية): [إن كان بالبلد فقهاء ثلاثة، كل واحد منهم متمسِّك بقول منها ويرى غير رأي صاحبه وكلهم أهل للفتوى: للعامي أن يقلد أيهم أحب] اهـ.
وقال الإمام القرافي المالكي في "الذخيرة" (1/ 140-141، ط. دار الغرب الإسلامي): [قال الزناتي: والمذاهب كلها مسالك إلى الجنة وطرق إلى السعادة، فمن سلك منها طريقًا؛ وصله.
تنبيه: قال غيره: يجوز تقليد المذاهب والانتقال إليها في كل ما لا ينقض فيه حكم الحاكم؛ وهو أربعة: ما خالف الإجماع، أو القواعد، أو النص، أو القياس الجلي] اهـ.
- وعند الشافعية:
قال الإمام الزركشي الشافعي في "البحر المحيط" (8/ 380، ط. دار الكتبي): [وحكى الرافعي عن أبي الفتح الهروي أحد أصحاب الإمام أنَّ مذهب عامة أصحابنا: أنَّ العامي لا مذهب له] اهـ.
وقال العلَّامة ابن حجر الهيتمي في "الفتاوى الكبرى" (4/ 315، ط. المكتبة الإسلامية): [والأصح أنه مخيَّر في تقليد من شاء ولو مفضولًا عنده مع وجود الأفضل ما لم يتتبَّع الرخص، بل وإن تتبعها على ما قاله بعض أصحابنا واعتمده الشيخ عز الدين وأطال في الاستدلال له] اهـ.
- وعند الحنابلة:
قال الإمام ابن مُفلح الحنبلي في "الفروع" (11/ 346، ط. مؤسسة الرسالة): [وقال شيخنا: ومن أوجب تقليد إمام بعينه: استُتيب، فإن تاب وإلا قتل، وإن قال: ينبغي، كان جاهلًا ضالًا، قال: ومن كان متبعًا لإمام فخالفه في بعض المسائل لقوة الدليل أو لكون أحدهما أعلم وأتقى فقد أحسن ولم يقدح في عدالته بلا نزاع] اهـ.
وقال العلَّامة البهوتي الحنبلي في "كشَّاف القناع" (6/ 306، ط. دار الكتب العلمية): [ويجوز تقليد المفضول من المجتهدين مع وجود أفضل منه؛ لأنَّ المفضول من الصحابة والسلف كان يفتي مع الفاضل منهم مع الاشتهار والتكرار، ولم ينكر ذلك أحد، فكان إجماعًا] اهـ.
وبناءً على ذلك: فالشريعة الإسلامية جاءت واسعةً شاملةً لأقوال الأئمة ومذاهبهم، واختلافهم رحمةٌ بالمُكلَّفين، وموهبةٌ من مواهب الله تعالى لهذه الأمة المحمدية. والأصل أنَّ العامي لا مذهبَ له، وله أن يُقلد ما شاء مِن أقوال المُجتهدين والأئمة المُعتبَرين مِن غير حَجْرٍ عليه في ذلك، ومذهبُه في ذلك مذهب مُفتيه.
والله سبحانه وتعالى أعلم. 

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;