حكم الاستعانة بمترجم الإشارة أو بالكتابة لذوي الهمم في إجراءات التقاضي

هل يجوز للأشخاص من ذوي الهمم -وخاصة فاقدي حاسة السمع والكلام -أن يستعينوا في التعبير عن إرادتهم بمترجم إشارة، أو التعبير بالكتابة لمن يجيدها، وذلك في إجراءات التقاضي والشهادة في المحكمة؟ 

 لا مانع شرعًا من الاعتماد على تعبير ذوي الهمم ممن فقدوا حاستي السمع والكلام أو إحداهما عن إرادته عن طريق الكتابة إذا كانت واضحة، أو عن طريق الإشارة المعهودة المفهمة بشرط أن يكون غير قادر على الكتابة.
وينبغي التأكد من أن هؤلاء مدركٌون لما يجري حولهم، ويمكن الاستعانة بمترجم إشارةٍ متخصص ماهر في هذه الحالة.
والأمر موكول لعدالة المحكمة والقاضي حسب ظروف كل حالة على حدة.

التفاصيل ....

 الأبكم في اللغة -وزان أَفْعَل صفة من البكم-: وهو الأخرس الذي لا يتكلّم، والخرس ذهاب الكلام خِلقةً أو عيًّا-أي بسبب المرض-.
وبعض اللغويّين فرَّق بينهما بأنَّ الأخرس الذي خُلِقَ ولا نُطْقَ له، والأبكم: الذي له نطق ولا يَعْقِل الجواب.
وفرَّق آخرون بأنَّ الأبكم الذي يولد أخرس، فكلُّ أبكم أخرس، وليس كل أخرس أبكم، فيكون الأخرس أعمّ مطلقًا من الأبكم.
قال الجوهري: رجل أبكم، وبكيم؛ أي: أخرس بيِّن الخرس.
وقال الأزهري: بين الأبكم والأخرس فرقٌ في كَلامِ العرب؛ فالأخرس: الذي خلق ولا نطق له..، والأبكم: الذي للسانه نطق، وهو لا يعقل الجواب، ولا يحسن وجه الكلام. انظر: "التكملة والذيل" للصغاني (5/ 582).
والأبكم في الاصطلاح الطبي: هو الشخص المصاب بغياب النطق الكلي بسبب وجود خلل في أحد الأعصاب الحسيَّة، أو وجود خللٍ في عضلات الوجه واللسان المسؤولة عن النطق، أو بسبب الإصابة بصدمة نفسية.
وقد عرَّفه الأستاذ الدكتور جمال الخطيب بأنَّه: عدم القدرة على إصدار أي صوت. انظر: "مقدمة في الإعاقة السمعية" للدكتور جمال الخطيب (ص: 86).
وعرفه سمير الدبابنة بأنَّه: عدم القدرة على الكلام، وعدم القدرة على التعبير عن الأفكار الصريحة بكلمات منطوقة، وبشكل عام: عدم القدرة على إصدار الرموز الصوتية. انظر: "نافذة على تعليم الصم" لسمير الدبابنة (ص: 21).
والأصمّ في اللغة: من به صمم، والصمم: فقدان السمع، ويأتي وصفًا للأذن وللشخص، فيقال: رجل أصمُّ، وامرأة صمَّاء، وأذن صمَّاء، والجمع صُمٌّ، وعرفه ابن سيده: بأن الصمم انسداد الأذن وثقل السمع، صَمَّ يَصَمُّ وصَمِمَ بإظهار التضعيف نادر صَمًّا وصَمَمًا وأَصَم. انظر: "المحكم والمحيط الأعظم" لابن سيده (8/ 277).
أمَّا الصمم من الناحية الطبيَّة: فهو أعلى درجات الإعاقة السمعية، وقد عرفه عبد الرحمن سيد سليمان بأنه: الغياب الجزئي أو الكلي لحاسة السمع، أو هي الحالة التي لا تكون حاسة السمع فيها هي الوسيلة الأساسية التي يتم بها تعلم الكلام واللغة، وتكون معها حاسة السمع مفقودة أو قاصرة بدرجة مفرطة بحيث تعوق الأداء السمعي العادي لدى الفرد. انظر: "معجم الإعاقة السمعية" لعبد الرحمن سيد سليمان (ص19).
ولا يخرج استعمال الفقهاء في المصطلحين عن المعنى اللغوي.
قال السمعاني في "تفسير القرآن" (1/ 53): [الأَصَم، وَهُوَ الَّذِي لَا يسمع، والبُكم: جمع الأبكم، وَهُوَ الَّذِي لَا ينْطق، وَوُلد على الخرس] اهـ.
والإعاقة: إما أن تكون في حواس الإدراك، وهي السمع والبصر، أو في حواس التعبير وهي حاسة الكلام، والأولى تؤثر على أهلية الشخص لتلقي التكاليف والخطابات الشرعية، وهو ما يعرف قانونًا بأهلية الوجوب وهي: صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات، أمَّا فقد القدرة على التعبير فإنها تؤثر على الاعتداد بتعبير الشخص عن إرادته، وهو ما يسمى بأهلية الشخص للأداء وهي: صلاحية الشخص للقيام بالتصرفات القانونية بنفسه على وجه يعتد به قانونًا.
والمقرر شرعًا: أن التكليف فرع العلم بخطاب الشارع، وأنَّ الأصل أنَّ معتل الحواس مكلَّف بخطابات الشارع بشرط ألَّا تنعدم الوسيلة لإفهامه هذا الخطاب، أمَّا إذا فقدت الوسيلة إلى إفهامه فإنَّه يُعَدُّ عاجزًا، وشرط التكليف هو الاستطاعة، فهو بهذا ليس أهلًا لتحمل الواجبات إلَّا من خلال قواعد الضمان المقررة بخطاب الوضع، ويخاطَب عنه في ذلك وفي تقبُّل الحقوق بدلًا منه من يُقِيمَه الشرع أو القاضي مقامه كما هو مقرر في أبواب الفقه.
والمراد بِمُعْتَلِّ الحواس عند الفقهاء: هو من به أكثر من إعاقة؛ بحيث يكون تعدد الإعاقة مانعًا له من إدراك ما حوله.
قال العلامة ابن مازة البخاري الحنفي في "المحيط البرهاني في الفقه النعماني" (1/ 531): [لا تكليف مع العجز] اهـ.
وقال العلَّامة ابن حجر الهيتمي في "تحفة المحتاج في شرح المنهاج" (9/ 225): [ويجب في الردِّ على الأصمِّ الجمع بين اللفظ والإشارة بنحو اليد، ولا يلزمه الرد إلا إن جمع له المسلِّم عليه بين اللفظ والإشارة، ويغني عن الإشارة في الأول -كما بحثه الأذرعي- العلمُ بأن الأخرس فهم بقرينة الحال، والنظر إلى فمه في الرد عليه] وقال أيضًا في "الفتاوى الفقهية الكبرى" (1/ 129): [(وسئل) -نفع الله به- عمَّن ولد أصم أعمى أخرس فهل تجب عليه الصلاة؟
(فأجاب) بقوله: صرح ابن العماد بأنها لا تجب عليه؛ كمن لم تبلغه الدعوة، وهو ظاهر موافق لما عليه أئمتنا وغيرهم؛ أنه لا تكليف إلا بعد علم، فحيث انتفى عنه هذا العلم بالشرع من أصله، فهو غير مكلف بالصلاة وغيرها] اهـ.
وقال العلَّامة القليوبي في "حاشيته" (1/ 138): [(بالغ عاقل) أي سالم الحواس وبلغته الدعوة، فلا يطالب بها من خلق أعمى وأصم وأبكم] اهـ.
وقد ضبط الفقه الإسلامي أحكام تعبير فاقد النطق عن إرادته، ولم يخلُ باب من أبواب الفقه من الحديث عن إشارة الأخرس وكتابته أثناء الحديث عن ركن الصيغة.
والمستقر عند كافَّة فقهاء المذاهب أنَّ الإشارة المعهودة المفهمة من الأخرس كالعبارة من الناطق، والإشارة المعهودة: هي التي تَصَالَحَ عليها الناس واتخذوها بينهم أداة للتعبير والإفهام.
كما أنَّ الكتابة منه تقوم مقام اللفظ إذا كانت مستبينة كالكتابة على الورق؛ لأنها كالقول في الإبانة عن المراد.
قال العلَّامة بدر الدين العيني في "البناية شرح الهداية" (5/ 302): [(وطلاق الأخرس واقع بالإشارة) ش: إن كانت له إشارة تعرف في نكاحه وطلاقه وعتاقه وبيعه وشرائه يقع استحسانًا، سواء قدر على الكتابة أم لا، وبه قال الشافعي ومالك لأنَّه يحتاج إلى ما يحتاج إليه الناطق، ولو لم يجعل إشارته كعبارة الناطق لأدى إلى الحرج وهو مدفوع شرعًا] اهـ.
وقال العلامة المرغيناني في "الهداية ومعها شرح العناية" (10/ 524): [وإذا قُرئ على الأخرس كتابُ وصيته فقيل له: أنشهد عليك بما في هذا الكتاب؟ فأومأ برأسه: أي نعم أو كتب، فإذا جاء من ذلك ما يعرف أنه إقرار فهو جائز] اهـ.
وقال العلَّامة السرخسي في "المبسوط" (18/ 172): [وإقرار الأخرس إذا كان يكتب ويعقل جائزٌ في القصاص وحقوق الناس؛ لأن له إشارة مفهومة تَنْفُذُ تصرفاته بتلك الإشارة، ويحتاج إلى المعاملة مع الناس فيصح إقراره بحقوق العباد] اهـ.
قال الإمام القرافي في "الذخيرة" (4/ 304): [وتقوم مقام اللفظ الإشارةُ والكتابةُ من الأخرس] اهـ.
وقال الإمام الشيرازي في "المهذب في فقه الإمام الشافعي" (3/ 86، ط. دار الكتب العلمية): [وأما الأخرس فإنه إن لم يكن له إشارة معقولة ولا كتابة مفهومة لم يصحّ لِعَانَهُ؛ لأنه في معنى المجنون، وإن كانت له إشارة معقولة أو كتابة مفهومة صح لِعَانَهُ؛ لأنه كالناطق في نكاحه وطلاقه، فكان كالناطق في لِعَانَهُ] اهـ.
وقال العلَّامة ابن قدامة المقدسي في "الكافي في فقه الإمام أحمد" (3/ 21، ط. دار الكتب العلمية): [وإذا فهمت إشارة الأخرس صحَّ النكاح بها؛ لأنه معنى لا يستفاد إلا من جهته فصح بإشارته، كبيعه] اهـ.
كما نصَّ "قانون الإثبات" في المادة 83 منه على من لا قدرة له على الكلام يؤدي الشهادة إذا أمكن أن يبيِّن مراده بالكتابة أو بالإشارة.
وتقديم الكتابة من الأخرس -إذا كان يقدر عليها- على الإشارة هو الجاري على مقصود الشرع في تمكينه من التعبير عن إرادته مع الحفاظ على حقوقه، كما أنَّه هو الموافق للعرف القائم؛ حيث إنَّ معرفة الكتابة الآن أصبحت شائعة ومنتشرة بخلاف الماضي، وما قرره بعض الفقهاء من التسوية بينهما كان هو اللائق بزمانهم؛ ولأن الكتابة أضبط وأبين في التعبير عن المقصود من الإشارة، كما يسهل حفظها والعودة إليها وقت الحاجة أو الجحود ولذلك فإن الأوفق عدم الانتقال إلى الإشارة إلَّا بعد العجز عن الكتابة.
قال الإمام السرخسي في "المبسوط" (6/ 143، ط. دار المعرفة): [وإذا طَلَّقَ الأخرس امرأته في كتاب، وهو يكتب، جاز عليه من ذلك ما يجوز على الصحيح في كتابه؛ لأن الأخرس عاجزٌ عن الكلام، وهو قادر على الكتاب، فهو والصحيح في الكتاب سواء، والأصل أن البيان بالكتاب بمنزلةِ البيان باللسان؛ لأن المكتوب حروف منظومة تدل على معنى مفهوم كالكلام، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان مأمورًا بتبليغ الرسالة، وقد بلغ تارة بالكتاب وتارة باللسان.
ثم الكتاب على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكتب طلاقًا أو عتاقًا على ما لا يتبين فيه الخط كالهواء، والماء، والصخرة الصمَّاء، فلا يقع به شيء نوى أو لم يَنْوِ؛ لأن مثل هذه الكتابة كصوت لا يتبين منه حروف، ولو وقع الطلاق لوقع بمجرد نيته، وذلك لا يجوز.
الثاني: أن يكتب طلاق امرأته على ما يتبين فيه الخط، ولكن لا على رسم كَتْبِ الرِّسَالَةِ، فهذا ينوي فيه؛ لأن مثل هذه الكتابة قد تكون للإيقاع، وقد تكون لِتَجْرِبَةِ الخَطِّ، وَالقَلَمِ، وَالْبَيَاضِ، وفيه ينوي كما في الألفاظ التي تشبه الطلاق، فإن كان صحيحًا تبين نيته بلسانه، وإن كان أخرس تبين نيته بكتابه.
والثالث: أن يَكْتُبَ عَلَى رَسْمِ كَتْبِ الرِّسَالَةِ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ أو عتاق عبده فيقع الطلاق والعتاق بهذا في القضاء، وإن قال: عنيت به تجربة الخط لا يدين في القضاء؛ لأنه خلاف الظاهر، وهو نظير ما لو قال: أنت طالق، ثم قال: عنيت الطلاق من وثاق، ثم ينظر إلى المكتوب، فإن كان كتب: امرأته طالق، فهي طالق سواء بعث الكتاب إليها، أو لم يبعث، وإن كان المكتوب: إذا وصل إليك كتابي هذا فأنت طالق، فما لم يصل إليها لا يقع الطلاق؛ كما لو تكلم] اهـ.
والاعتداد بالكتابة والإشارة بالنسبة للأبكم أو الأصم الأبكم على ما قرره الفقهاء هو فرع الاعتراف له بأهلية الأداء، والتي هي عبارة عن ثبوت الصلاحية القانونية لما يصدر عن الشخص من تصرفات وأعمال، للتمتع بالحقوق على النحو الأكمل، فالإحاطة بجوانب الأمور والتعبير عن الإِرادةِ هي قوام أهليَّة الأداء.
وهذا ما قرره القانون المدني في المادة 93 منه، والتي نصت على: التعبير عن الإرادة يكون باللفظ وبالكتابة وبالإشارة المتداولة عُرفًا، كما يكون باتخاذ موقف لا تدع ظروف الحال شكًّا في دلالته على حقيقة المقصود.
إلَّا أنَّه ينبغي التفرقة بين اعتبار إشارة الأبكم في اكتساب الحقوق، وبين اعتبار إشارته في التزامه بالواجبات، وإقراره للغير بالحقوق، وفي اعتبارها سببًا في إنزال العقوبة أو إقامة الحد عليه؛ إذ ينبغي ألَّا يكون ذلك إلا بما يعبر عن إرادته على وجه اليقين، وهو ما جرى عليه فقهاء الحنفية.
قال العلَّامة داماد الحنفي في "مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر" (1/ 585، ط. دار إحياء التراث العربي): [(مُكَلَّف) خرج به وطء المجنون، والمعتوه، والصبي وزاد صاحب البحر قوله: ناطق طائع، خرج بالناطق وطء الأخرس، فإنه غير موجب للحد لاحتمال أن يدعي شبهة] اهـ.
وقال العلَّامة الحصكفي في "الدر المختار" (4/ 5، ط. دار الفكر): [(ناطق) خرج وطء الأخرس، فلا حدَّ عليه مطلقًا للشبهة] اهـ.
فالأصل أن الصُّمَّ والبُكْمَ أصحاب أهلية كاملة كالأصحاء فيما يمكن لهم فهمه والتعبير عنه، ويجب تمكينهم من ممارسة التصرفات التي تجلب لهم النفع حسب قدرة كل واحد فيهم.
أمَّا إذا كانت الإعاقة سببًا في عدم إلمام الشخص بما يقال له أو في عدم إمكان قيامه بالتعبير عن إرادته تعبيرًا صحيحًا مفهومًا للكافَّة فلا تثبت له حينئذ أهلية الأداء، ويجب على الجهات المختصة أن تقيم له من ينوب عنه قانونًا؛ كالقيِّم أو من يساعده في القيام بهذا الدور وهو المساعد القضائي حسب حالته، مع إيجاد الضمانات التي تضمن لهم نقل إرادتهم نقلًا صحيحًا وأمينًا، ودون أن يتسبب ذلك في تعطيل مصالحهم.
وهذا ما اعتمده القانون المدني المصري في المادة 117 فقرة 1 منه والتي قررت: إذا كان الشخص أصم أبكم، أو أعمى أبكم، وتعذر عليه بسبب ذلك التعبير عن إرادته جاز للمحكمة أن تعين له مساعدًا قضائيًّا يعاونه في التصرفات التي تقتضي مصلحته فيها ذلك.
وبناءً على ما سبق يمكننا أن نستفيد التالي:
إنه لا مانع شرعًا من الاعتماد على تعبير الأصم أو الأبكم أو الأصم الأبكم عن إرادته عن طريق الكتابة إذا كانت مستبينة، أو عن طريق الإشارة المعهودة المفهمة بشرط أن يكون غير قادر على الكتابة.
وينبغي التأكد من أن الأصم مدركٌ لما يجري حوله، ويمكن الاستعانة بمترجم إشارة معتمد في هذه الحالة.
والأمر موكول لعدالة المحكمة والقاضي حسب ظروف كل حالة على حدة.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

حكم الاستعانة بمترجم الإشارة أو بالكتابة لذوي الهمم في إجراءات التقاضي

هل يجوز للأشخاص من ذوي الهمم -وخاصة فاقدي حاسة السمع والكلام -أن يستعينوا في التعبير عن إرادتهم بمترجم إشارة، أو التعبير بالكتابة لمن يجيدها، وذلك في إجراءات التقاضي والشهادة في المحكمة؟ 

 لا مانع شرعًا من الاعتماد على تعبير ذوي الهمم ممن فقدوا حاستي السمع والكلام أو إحداهما عن إرادته عن طريق الكتابة إذا كانت واضحة، أو عن طريق الإشارة المعهودة المفهمة بشرط أن يكون غير قادر على الكتابة.
وينبغي التأكد من أن هؤلاء مدركٌون لما يجري حولهم، ويمكن الاستعانة بمترجم إشارةٍ متخصص ماهر في هذه الحالة.
والأمر موكول لعدالة المحكمة والقاضي حسب ظروف كل حالة على حدة.

التفاصيل ....

 الأبكم في اللغة -وزان أَفْعَل صفة من البكم-: وهو الأخرس الذي لا يتكلّم، والخرس ذهاب الكلام خِلقةً أو عيًّا-أي بسبب المرض-.
وبعض اللغويّين فرَّق بينهما بأنَّ الأخرس الذي خُلِقَ ولا نُطْقَ له، والأبكم: الذي له نطق ولا يَعْقِل الجواب.
وفرَّق آخرون بأنَّ الأبكم الذي يولد أخرس، فكلُّ أبكم أخرس، وليس كل أخرس أبكم، فيكون الأخرس أعمّ مطلقًا من الأبكم.
قال الجوهري: رجل أبكم، وبكيم؛ أي: أخرس بيِّن الخرس.
وقال الأزهري: بين الأبكم والأخرس فرقٌ في كَلامِ العرب؛ فالأخرس: الذي خلق ولا نطق له..، والأبكم: الذي للسانه نطق، وهو لا يعقل الجواب، ولا يحسن وجه الكلام. انظر: "التكملة والذيل" للصغاني (5/ 582).
والأبكم في الاصطلاح الطبي: هو الشخص المصاب بغياب النطق الكلي بسبب وجود خلل في أحد الأعصاب الحسيَّة، أو وجود خللٍ في عضلات الوجه واللسان المسؤولة عن النطق، أو بسبب الإصابة بصدمة نفسية.
وقد عرَّفه الأستاذ الدكتور جمال الخطيب بأنَّه: عدم القدرة على إصدار أي صوت. انظر: "مقدمة في الإعاقة السمعية" للدكتور جمال الخطيب (ص: 86).
وعرفه سمير الدبابنة بأنَّه: عدم القدرة على الكلام، وعدم القدرة على التعبير عن الأفكار الصريحة بكلمات منطوقة، وبشكل عام: عدم القدرة على إصدار الرموز الصوتية. انظر: "نافذة على تعليم الصم" لسمير الدبابنة (ص: 21).
والأصمّ في اللغة: من به صمم، والصمم: فقدان السمع، ويأتي وصفًا للأذن وللشخص، فيقال: رجل أصمُّ، وامرأة صمَّاء، وأذن صمَّاء، والجمع صُمٌّ، وعرفه ابن سيده: بأن الصمم انسداد الأذن وثقل السمع، صَمَّ يَصَمُّ وصَمِمَ بإظهار التضعيف نادر صَمًّا وصَمَمًا وأَصَم. انظر: "المحكم والمحيط الأعظم" لابن سيده (8/ 277).
أمَّا الصمم من الناحية الطبيَّة: فهو أعلى درجات الإعاقة السمعية، وقد عرفه عبد الرحمن سيد سليمان بأنه: الغياب الجزئي أو الكلي لحاسة السمع، أو هي الحالة التي لا تكون حاسة السمع فيها هي الوسيلة الأساسية التي يتم بها تعلم الكلام واللغة، وتكون معها حاسة السمع مفقودة أو قاصرة بدرجة مفرطة بحيث تعوق الأداء السمعي العادي لدى الفرد. انظر: "معجم الإعاقة السمعية" لعبد الرحمن سيد سليمان (ص19).
ولا يخرج استعمال الفقهاء في المصطلحين عن المعنى اللغوي.
قال السمعاني في "تفسير القرآن" (1/ 53): [الأَصَم، وَهُوَ الَّذِي لَا يسمع، والبُكم: جمع الأبكم، وَهُوَ الَّذِي لَا ينْطق، وَوُلد على الخرس] اهـ.
والإعاقة: إما أن تكون في حواس الإدراك، وهي السمع والبصر، أو في حواس التعبير وهي حاسة الكلام، والأولى تؤثر على أهلية الشخص لتلقي التكاليف والخطابات الشرعية، وهو ما يعرف قانونًا بأهلية الوجوب وهي: صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات، أمَّا فقد القدرة على التعبير فإنها تؤثر على الاعتداد بتعبير الشخص عن إرادته، وهو ما يسمى بأهلية الشخص للأداء وهي: صلاحية الشخص للقيام بالتصرفات القانونية بنفسه على وجه يعتد به قانونًا.
والمقرر شرعًا: أن التكليف فرع العلم بخطاب الشارع، وأنَّ الأصل أنَّ معتل الحواس مكلَّف بخطابات الشارع بشرط ألَّا تنعدم الوسيلة لإفهامه هذا الخطاب، أمَّا إذا فقدت الوسيلة إلى إفهامه فإنَّه يُعَدُّ عاجزًا، وشرط التكليف هو الاستطاعة، فهو بهذا ليس أهلًا لتحمل الواجبات إلَّا من خلال قواعد الضمان المقررة بخطاب الوضع، ويخاطَب عنه في ذلك وفي تقبُّل الحقوق بدلًا منه من يُقِيمَه الشرع أو القاضي مقامه كما هو مقرر في أبواب الفقه.
والمراد بِمُعْتَلِّ الحواس عند الفقهاء: هو من به أكثر من إعاقة؛ بحيث يكون تعدد الإعاقة مانعًا له من إدراك ما حوله.
قال العلامة ابن مازة البخاري الحنفي في "المحيط البرهاني في الفقه النعماني" (1/ 531): [لا تكليف مع العجز] اهـ.
وقال العلَّامة ابن حجر الهيتمي في "تحفة المحتاج في شرح المنهاج" (9/ 225): [ويجب في الردِّ على الأصمِّ الجمع بين اللفظ والإشارة بنحو اليد، ولا يلزمه الرد إلا إن جمع له المسلِّم عليه بين اللفظ والإشارة، ويغني عن الإشارة في الأول -كما بحثه الأذرعي- العلمُ بأن الأخرس فهم بقرينة الحال، والنظر إلى فمه في الرد عليه] وقال أيضًا في "الفتاوى الفقهية الكبرى" (1/ 129): [(وسئل) -نفع الله به- عمَّن ولد أصم أعمى أخرس فهل تجب عليه الصلاة؟
(فأجاب) بقوله: صرح ابن العماد بأنها لا تجب عليه؛ كمن لم تبلغه الدعوة، وهو ظاهر موافق لما عليه أئمتنا وغيرهم؛ أنه لا تكليف إلا بعد علم، فحيث انتفى عنه هذا العلم بالشرع من أصله، فهو غير مكلف بالصلاة وغيرها] اهـ.
وقال العلَّامة القليوبي في "حاشيته" (1/ 138): [(بالغ عاقل) أي سالم الحواس وبلغته الدعوة، فلا يطالب بها من خلق أعمى وأصم وأبكم] اهـ.
وقد ضبط الفقه الإسلامي أحكام تعبير فاقد النطق عن إرادته، ولم يخلُ باب من أبواب الفقه من الحديث عن إشارة الأخرس وكتابته أثناء الحديث عن ركن الصيغة.
والمستقر عند كافَّة فقهاء المذاهب أنَّ الإشارة المعهودة المفهمة من الأخرس كالعبارة من الناطق، والإشارة المعهودة: هي التي تَصَالَحَ عليها الناس واتخذوها بينهم أداة للتعبير والإفهام.
كما أنَّ الكتابة منه تقوم مقام اللفظ إذا كانت مستبينة كالكتابة على الورق؛ لأنها كالقول في الإبانة عن المراد.
قال العلَّامة بدر الدين العيني في "البناية شرح الهداية" (5/ 302): [(وطلاق الأخرس واقع بالإشارة) ش: إن كانت له إشارة تعرف في نكاحه وطلاقه وعتاقه وبيعه وشرائه يقع استحسانًا، سواء قدر على الكتابة أم لا، وبه قال الشافعي ومالك لأنَّه يحتاج إلى ما يحتاج إليه الناطق، ولو لم يجعل إشارته كعبارة الناطق لأدى إلى الحرج وهو مدفوع شرعًا] اهـ.
وقال العلامة المرغيناني في "الهداية ومعها شرح العناية" (10/ 524): [وإذا قُرئ على الأخرس كتابُ وصيته فقيل له: أنشهد عليك بما في هذا الكتاب؟ فأومأ برأسه: أي نعم أو كتب، فإذا جاء من ذلك ما يعرف أنه إقرار فهو جائز] اهـ.
وقال العلَّامة السرخسي في "المبسوط" (18/ 172): [وإقرار الأخرس إذا كان يكتب ويعقل جائزٌ في القصاص وحقوق الناس؛ لأن له إشارة مفهومة تَنْفُذُ تصرفاته بتلك الإشارة، ويحتاج إلى المعاملة مع الناس فيصح إقراره بحقوق العباد] اهـ.
قال الإمام القرافي في "الذخيرة" (4/ 304): [وتقوم مقام اللفظ الإشارةُ والكتابةُ من الأخرس] اهـ.
وقال الإمام الشيرازي في "المهذب في فقه الإمام الشافعي" (3/ 86، ط. دار الكتب العلمية): [وأما الأخرس فإنه إن لم يكن له إشارة معقولة ولا كتابة مفهومة لم يصحّ لِعَانَهُ؛ لأنه في معنى المجنون، وإن كانت له إشارة معقولة أو كتابة مفهومة صح لِعَانَهُ؛ لأنه كالناطق في نكاحه وطلاقه، فكان كالناطق في لِعَانَهُ] اهـ.
وقال العلَّامة ابن قدامة المقدسي في "الكافي في فقه الإمام أحمد" (3/ 21، ط. دار الكتب العلمية): [وإذا فهمت إشارة الأخرس صحَّ النكاح بها؛ لأنه معنى لا يستفاد إلا من جهته فصح بإشارته، كبيعه] اهـ.
كما نصَّ "قانون الإثبات" في المادة 83 منه على من لا قدرة له على الكلام يؤدي الشهادة إذا أمكن أن يبيِّن مراده بالكتابة أو بالإشارة.
وتقديم الكتابة من الأخرس -إذا كان يقدر عليها- على الإشارة هو الجاري على مقصود الشرع في تمكينه من التعبير عن إرادته مع الحفاظ على حقوقه، كما أنَّه هو الموافق للعرف القائم؛ حيث إنَّ معرفة الكتابة الآن أصبحت شائعة ومنتشرة بخلاف الماضي، وما قرره بعض الفقهاء من التسوية بينهما كان هو اللائق بزمانهم؛ ولأن الكتابة أضبط وأبين في التعبير عن المقصود من الإشارة، كما يسهل حفظها والعودة إليها وقت الحاجة أو الجحود ولذلك فإن الأوفق عدم الانتقال إلى الإشارة إلَّا بعد العجز عن الكتابة.
قال الإمام السرخسي في "المبسوط" (6/ 143، ط. دار المعرفة): [وإذا طَلَّقَ الأخرس امرأته في كتاب، وهو يكتب، جاز عليه من ذلك ما يجوز على الصحيح في كتابه؛ لأن الأخرس عاجزٌ عن الكلام، وهو قادر على الكتاب، فهو والصحيح في الكتاب سواء، والأصل أن البيان بالكتاب بمنزلةِ البيان باللسان؛ لأن المكتوب حروف منظومة تدل على معنى مفهوم كالكلام، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان مأمورًا بتبليغ الرسالة، وقد بلغ تارة بالكتاب وتارة باللسان.
ثم الكتاب على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكتب طلاقًا أو عتاقًا على ما لا يتبين فيه الخط كالهواء، والماء، والصخرة الصمَّاء، فلا يقع به شيء نوى أو لم يَنْوِ؛ لأن مثل هذه الكتابة كصوت لا يتبين منه حروف، ولو وقع الطلاق لوقع بمجرد نيته، وذلك لا يجوز.
الثاني: أن يكتب طلاق امرأته على ما يتبين فيه الخط، ولكن لا على رسم كَتْبِ الرِّسَالَةِ، فهذا ينوي فيه؛ لأن مثل هذه الكتابة قد تكون للإيقاع، وقد تكون لِتَجْرِبَةِ الخَطِّ، وَالقَلَمِ، وَالْبَيَاضِ، وفيه ينوي كما في الألفاظ التي تشبه الطلاق، فإن كان صحيحًا تبين نيته بلسانه، وإن كان أخرس تبين نيته بكتابه.
والثالث: أن يَكْتُبَ عَلَى رَسْمِ كَتْبِ الرِّسَالَةِ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ أو عتاق عبده فيقع الطلاق والعتاق بهذا في القضاء، وإن قال: عنيت به تجربة الخط لا يدين في القضاء؛ لأنه خلاف الظاهر، وهو نظير ما لو قال: أنت طالق، ثم قال: عنيت الطلاق من وثاق، ثم ينظر إلى المكتوب، فإن كان كتب: امرأته طالق، فهي طالق سواء بعث الكتاب إليها، أو لم يبعث، وإن كان المكتوب: إذا وصل إليك كتابي هذا فأنت طالق، فما لم يصل إليها لا يقع الطلاق؛ كما لو تكلم] اهـ.
والاعتداد بالكتابة والإشارة بالنسبة للأبكم أو الأصم الأبكم على ما قرره الفقهاء هو فرع الاعتراف له بأهلية الأداء، والتي هي عبارة عن ثبوت الصلاحية القانونية لما يصدر عن الشخص من تصرفات وأعمال، للتمتع بالحقوق على النحو الأكمل، فالإحاطة بجوانب الأمور والتعبير عن الإِرادةِ هي قوام أهليَّة الأداء.
وهذا ما قرره القانون المدني في المادة 93 منه، والتي نصت على: التعبير عن الإرادة يكون باللفظ وبالكتابة وبالإشارة المتداولة عُرفًا، كما يكون باتخاذ موقف لا تدع ظروف الحال شكًّا في دلالته على حقيقة المقصود.
إلَّا أنَّه ينبغي التفرقة بين اعتبار إشارة الأبكم في اكتساب الحقوق، وبين اعتبار إشارته في التزامه بالواجبات، وإقراره للغير بالحقوق، وفي اعتبارها سببًا في إنزال العقوبة أو إقامة الحد عليه؛ إذ ينبغي ألَّا يكون ذلك إلا بما يعبر عن إرادته على وجه اليقين، وهو ما جرى عليه فقهاء الحنفية.
قال العلَّامة داماد الحنفي في "مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر" (1/ 585، ط. دار إحياء التراث العربي): [(مُكَلَّف) خرج به وطء المجنون، والمعتوه، والصبي وزاد صاحب البحر قوله: ناطق طائع، خرج بالناطق وطء الأخرس، فإنه غير موجب للحد لاحتمال أن يدعي شبهة] اهـ.
وقال العلَّامة الحصكفي في "الدر المختار" (4/ 5، ط. دار الفكر): [(ناطق) خرج وطء الأخرس، فلا حدَّ عليه مطلقًا للشبهة] اهـ.
فالأصل أن الصُّمَّ والبُكْمَ أصحاب أهلية كاملة كالأصحاء فيما يمكن لهم فهمه والتعبير عنه، ويجب تمكينهم من ممارسة التصرفات التي تجلب لهم النفع حسب قدرة كل واحد فيهم.
أمَّا إذا كانت الإعاقة سببًا في عدم إلمام الشخص بما يقال له أو في عدم إمكان قيامه بالتعبير عن إرادته تعبيرًا صحيحًا مفهومًا للكافَّة فلا تثبت له حينئذ أهلية الأداء، ويجب على الجهات المختصة أن تقيم له من ينوب عنه قانونًا؛ كالقيِّم أو من يساعده في القيام بهذا الدور وهو المساعد القضائي حسب حالته، مع إيجاد الضمانات التي تضمن لهم نقل إرادتهم نقلًا صحيحًا وأمينًا، ودون أن يتسبب ذلك في تعطيل مصالحهم.
وهذا ما اعتمده القانون المدني المصري في المادة 117 فقرة 1 منه والتي قررت: إذا كان الشخص أصم أبكم، أو أعمى أبكم، وتعذر عليه بسبب ذلك التعبير عن إرادته جاز للمحكمة أن تعين له مساعدًا قضائيًّا يعاونه في التصرفات التي تقتضي مصلحته فيها ذلك.
وبناءً على ما سبق يمكننا أن نستفيد التالي:
إنه لا مانع شرعًا من الاعتماد على تعبير الأصم أو الأبكم أو الأصم الأبكم عن إرادته عن طريق الكتابة إذا كانت مستبينة، أو عن طريق الإشارة المعهودة المفهمة بشرط أن يكون غير قادر على الكتابة.
وينبغي التأكد من أن الأصم مدركٌ لما يجري حوله، ويمكن الاستعانة بمترجم إشارة معتمد في هذه الحالة.
والأمر موكول لعدالة المحكمة والقاضي حسب ظروف كل حالة على حدة.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;