رعاية الشرع الشريف لحقوق ذوي الهمم

يقول السائل: خلقنا المولى سبحانه وتعالى مختلفين، ووجَّه الشرع الشريف اهتمامه وعنايته بكل فئة من فئات المجتمع، ومن هذه الفئات (ذوي الهمم)؛ فنرجو من فضيلتكم بيان اهتمام الشرع الشريف ورعايته لهم بتخفيفه عنهم في جانب التكليفات، وبيان حقوقهم بصفة خاصة.

(ذوو الهمم) -كما يُعرِّفهم قانون "حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة" رقم (10) لسنة 2018م- هم: [الأشخاص الذين لديهم قصورٌ أو خَللٌ كليّ أو جزئي، سواء كان بدنيًّا، أو ذهنيًّا، أو عقليًّا، أو حسيًّا، إذا كان هذا الخلل أو القصور مستقرًّا، ويمنعهم لدى التعامل مع مختلف العوائق من المشاركة بصورة كاملة وفَعَّالة مع المجتمع، وعلى قَدَم المساواة مع الآخرين] اهـ.
ومن المعلوم أنَّ دين الإسلام هو دين الرحمة والتيسير على عباد الله؛ يقول تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وقد أخرج الإمام أحمد في "مسنده" عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «بُعِثتُ بِالحَنِيفِيةِ السَّمْحَةِ».
لذلك فإنَّ مِن محاسن الشرع الشريف أنَّه قد رَفَع الحرج في كثير من العبادات والواجبات عن بعض المكلفين، وممَّن خصَّهم الشرع الشريف بمزيد من التيسير ورفع الحرج: ذوو الهمم، سواء كانت إعاقتهم جسدية أو ذهنية أو كلاهما معًا؛ فقد قدَّر الإسلام أعذارهم، فأسقط عنهم الكثير من التكاليف الشرعية؛ سواء كانت فرائض وواجبات أو سننًا ونوافل؛ يقول تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: 17].
يقول العلامة البيضاوي في "أنوار التنزيل وأسرار التأويل" (5/ 129، ط. دار إحياء التراث العربي): [نفت الآية الكريمة الحرج عن أصحاب الأعذار الذين تخلَّفوا عن الجهاد مع رسول الله ض واستثنتهم من الوعيد والعقوبة التي ستنال المتخلفين عن الجهاد بلا عذر] اهـ. بتصرف.
كما ورد في السنة النبوية ما يدلّ على رفع الحرج عن أصحاب الأعذار؛ فقد أخرج الإمام البخاري في "صحيحه" عن عمران بن حصين رضي الله عنه، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الصلاة، فقال: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ».
وإذا كان هذا في جانب التكاليف الشرعية؛ فإنَّ جانب الحقوق لذوي الهمم من الأمور التي أَوْلَى بها الشرع عناية خاصة؛ فحَرَّم السخرية والاستهزاء بكل صورها وأشكالها؛ وذلك لأنَّ الشريعة الإسلامية جاءت لحث الناس على مكارم الأخلاق والبعد عن بذيء الأقوال والأفعال؛ ولذلك جاء الذم والنهي عن السخرية واللمز والاحتقار، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: 11].
وفي حديث الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ».
كما أنَّ السخرية من ذوي الهمم قد تشتمل على السبّ وبذاءة اللسان، وهو مَحرَّمٌ شرعًا أيضًا، ومُوجِبٌ لفسق صاحبه؛ ففي الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ».
يقول الإمام ابن بطال في "شرح صحيح البخاري" (9/ 241، ط. مكتبة الرشد): [سباب المسلم فسوق؛ لأن عرضه حرام كتحريم دمه وماله، والفسوق في "لسان العرب": الخروج من الطاعة، فينبغي للمؤمن أن لا يكون سبَّابًا ولا لعَّانًا للمؤمنين، ويقتدي في ذلك بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنَّ السب سبب الفرقة والبغضة] اهـ.
وقال الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم" (2/ 54، ط. دار الفكر): [وأما معنى الحديث: فسب المسلم بغير حق حرام بإجماع الأمة وفاعله فاسق] اهـ.
وإضافة لما سبق؛ فإنَّ السخرية من الآخرين التي تُلْحِق بهم الأذى -ولو معنويًا-؛ هي فِعْلة مُجَرَّمٌة قانونًا؛ فتنُص المادة (309 مكرر "ب") من قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937م طبقًا لآخر تعديلاته بالقانون رقم 189 لسنة 2020م: [يُعَدُّ تَنمُّرًا كُلُّ قولٍ، أو استعراض قوة، أو سيطرة للجاني، أو استغلال ضعف للمجني عليه، أو لحالة يعتقد الجاني أنها تُسيء للمجني عليه؛ كالجنس، أو العِرْق، أو الدِّيْن، أو الأوصاف البدنية، أو الحالة الصحية، أو العقلية، أو المستوى الاجتماعي؛ بقصد تخويفه أو وضعه موضع السخرية، أو الحَطِّ من شأنه، أو إقصائه من محيطه الاجتماعي.
ومع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد منصوص عليها في أي قانون آخر: يعاقب المتنمر بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد عن ثلاثين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين] اهـ.
ومن الأمور التي أَوْلَى بها الشرع عناية في جانب الحقوق لذوي الهمم: الحق في الزواج متى صَلُح له ذلك بقول المتخصصين؛ لأنَّ الزواج أمرٌ ثابتٌ بمقتضى الجِبِلَّة والطَّبع؛ لأنَّه إنسان مُرَكَّبٌ فيه الشهوةُ والعاطفةُ، وكذا الحق في التصرف في الأموال بشتَّى أنواع التصرفات المشروعة ما دام تصرفّه لمصلحةٍ معتبرةٍ ارتآها، شريطة ألَّا يُؤثِّر مرضه على تصرفه.
ويجدر الإشارة إلى أنَّ للأسرة دَور في رعاية فئة ذوي الهمم؛ من ذلك: إغداق مزيدٍ من الرعاية والحنان تجاههم؛ فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «تَرَى المؤْمِنينَ في تَراحُمِهِم، وَتَوَادِّهِمْ، وَتَعَاطُفِهِم، كَمَثَلِ الجَسَدِ إِذا اشْتَكَى عُضْواً تَدَاعَى لَهُ سائِرُ جَسَدِهِ بالسّهَرِ والحُمَّى» متفق عليه، واللفظ للبخاري.
فإذا كان هذا في حق عموم المسلمين، فهو في حق ذوي الهمم أولى وآكد.
ومن ذلك أيضًا: مراعاة الجانب النفسي لذوي الهمم، فقد أَسَّس الإسلام لمبدأ مراعاة الجوانب النفسية لأصحاب الاحتياجات الخاصة؛ فعن أنس رضي الله عنه أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، فَقَالَ: «يَا أُمَّ فُلَانٍ انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ» فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ، حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا. رواه مسلم.

وهذا من رحمته صلى الله عليه وآله وسلم بذوي الهمم ومراعاتهم نفسيًّا واجتماعيًّا والعمل على قضاء حوائجهم.
وقد كان أهل الجاهلية يترفَّعون عن مخالطة ذوي الهمم في الطعام، فنزل قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: 61].
جاء في تفسير هذ الآية: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لمَّا أنزل الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188] تحرَّج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والزمنى والعرج، وقالوا: الطعام أفضل الأموال، وقد نهى الله تعالى عن أكل المال بالباطل، والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب، والمريض لا يستوفى الطعام، فأنزل الله هذه الآية، وقال سعيد بن جبير والضحاك: كان العرجان والعميان يتنزهون عن مؤاكلة الاصحاء، لأنَّ الناس يتقذَّرونهم ويكرهون مؤاكلتهم، وكان أهل المدينة لا يخالطهم في طعامهم أعمى ولا أعرج ولا مريض تقذرًا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ينظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: 223، ط. مؤسسة الحلبي).
ومن الرعاية أيضًا: إلحاقهم بالجهات التعليمية الخاصة بهم؛ فينبغي على مَن يتولى رعايتهم أن يحرص على ذلك، فمن حقهم أن تتهيأ لهم الأسباب والطرق المناسبة لينالوا حقهم في التعلم.
يضاف لذلك أنَّ من أهمِّ أدوار الأسرة في رعاية أبنائهم من ذوي الهمم هو: السعي في علاجهم؛ فعن أسامة بن شريك رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «تَدَاوَوا عِبَادَ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يُنْزِل دَاءً، إِلَّا أَنزَلَ مَعَهُ شِفَاءً» أخرجه الإمام البخاري في "الأدب المفرد"، وأحمد في "المسند"، وغيرهم.
وعن جابر رضي الله عنه قال: "بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّم إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِي اللهُ عَنهُ طَبِيبًا، فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقًا، ثُمَّ كَوَاهُ عَلَيْهِ". أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه".
قال الشيخ ابن القيم الحنبلي في "زاد المعاد في هدي خير العباد" (4/ 9، ط. الرسالة): [فكان من هديه صلى الله عليه وآله وسلم فعل التداوي في نفسه، والأمر به لمن أصابه مرض من أهله وأصحابه] اهـ.
لكن يجب في هذا الرجوع لأهل التخصّص الذين يحسنون التعامل مع أهلينا وأبنائنا من ذوي الهمم، وقد أرشد الشرع الشريف إلى الرجوع في التداوي من الأمراض إلى متخصّصي الأطباء؛ لأنهم أهل الذِّكْر في هذا؛ فعن هلال بن يساف قال: جُرِح رجلٌ على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «اُدْعُواْ لَهُ الطَّبِيبَ» فقال: يا رسول الله، هل يُغْنِي عنه الطبيب؟ قال: «نَعَمْ، إنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إِلَّاَ أنْزَلَ مَعَهُ شِفَاءً».
وعن زيد بن أسلم أنَّ رجلًا أصابه جرح، فاحتقن الدم، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا له رجلين من بني أنمار فقال: «أيُكُمَا أَطَبُّ؟» فقال رجل: يا رسول الله، أو في الطب خير؟ فقال «إِنَّ الذِي أَنْزَلَ الدَّاءَ أَنْزَلَ الدَّوَاءَ» أخرجهما ابن أبي شيبة في "مصنفه".
وبالجملة؛ فإنَّ دار الإفتاء المصرية تُناشِد جميع فئات المجتمع بالتعامل مع ذوي الهمم بكامل التقدير، وتحَمُّل المؤسسات التعليمية والدعوية والإعلامية دورها من خلال بيان خطورة الانتقاص منهم، وإرساء ثقافة مراعاة حقوقهم وآداب التعامل معهم.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

التفاصيل ....
اقرأ أيضا

رعاية الشرع الشريف لحقوق ذوي الهمم

يقول السائل: خلقنا المولى سبحانه وتعالى مختلفين، ووجَّه الشرع الشريف اهتمامه وعنايته بكل فئة من فئات المجتمع، ومن هذه الفئات (ذوي الهمم)؛ فنرجو من فضيلتكم بيان اهتمام الشرع الشريف ورعايته لهم بتخفيفه عنهم في جانب التكليفات، وبيان حقوقهم بصفة خاصة.

(ذوو الهمم) -كما يُعرِّفهم قانون "حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة" رقم (10) لسنة 2018م- هم: [الأشخاص الذين لديهم قصورٌ أو خَللٌ كليّ أو جزئي، سواء كان بدنيًّا، أو ذهنيًّا، أو عقليًّا، أو حسيًّا، إذا كان هذا الخلل أو القصور مستقرًّا، ويمنعهم لدى التعامل مع مختلف العوائق من المشاركة بصورة كاملة وفَعَّالة مع المجتمع، وعلى قَدَم المساواة مع الآخرين] اهـ.
ومن المعلوم أنَّ دين الإسلام هو دين الرحمة والتيسير على عباد الله؛ يقول تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وقد أخرج الإمام أحمد في "مسنده" عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «بُعِثتُ بِالحَنِيفِيةِ السَّمْحَةِ».
لذلك فإنَّ مِن محاسن الشرع الشريف أنَّه قد رَفَع الحرج في كثير من العبادات والواجبات عن بعض المكلفين، وممَّن خصَّهم الشرع الشريف بمزيد من التيسير ورفع الحرج: ذوو الهمم، سواء كانت إعاقتهم جسدية أو ذهنية أو كلاهما معًا؛ فقد قدَّر الإسلام أعذارهم، فأسقط عنهم الكثير من التكاليف الشرعية؛ سواء كانت فرائض وواجبات أو سننًا ونوافل؛ يقول تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: 17].
يقول العلامة البيضاوي في "أنوار التنزيل وأسرار التأويل" (5/ 129، ط. دار إحياء التراث العربي): [نفت الآية الكريمة الحرج عن أصحاب الأعذار الذين تخلَّفوا عن الجهاد مع رسول الله ض واستثنتهم من الوعيد والعقوبة التي ستنال المتخلفين عن الجهاد بلا عذر] اهـ. بتصرف.
كما ورد في السنة النبوية ما يدلّ على رفع الحرج عن أصحاب الأعذار؛ فقد أخرج الإمام البخاري في "صحيحه" عن عمران بن حصين رضي الله عنه، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الصلاة، فقال: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ».
وإذا كان هذا في جانب التكاليف الشرعية؛ فإنَّ جانب الحقوق لذوي الهمم من الأمور التي أَوْلَى بها الشرع عناية خاصة؛ فحَرَّم السخرية والاستهزاء بكل صورها وأشكالها؛ وذلك لأنَّ الشريعة الإسلامية جاءت لحث الناس على مكارم الأخلاق والبعد عن بذيء الأقوال والأفعال؛ ولذلك جاء الذم والنهي عن السخرية واللمز والاحتقار، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: 11].
وفي حديث الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ».
كما أنَّ السخرية من ذوي الهمم قد تشتمل على السبّ وبذاءة اللسان، وهو مَحرَّمٌ شرعًا أيضًا، ومُوجِبٌ لفسق صاحبه؛ ففي الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ».
يقول الإمام ابن بطال في "شرح صحيح البخاري" (9/ 241، ط. مكتبة الرشد): [سباب المسلم فسوق؛ لأن عرضه حرام كتحريم دمه وماله، والفسوق في "لسان العرب": الخروج من الطاعة، فينبغي للمؤمن أن لا يكون سبَّابًا ولا لعَّانًا للمؤمنين، ويقتدي في ذلك بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنَّ السب سبب الفرقة والبغضة] اهـ.
وقال الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم" (2/ 54، ط. دار الفكر): [وأما معنى الحديث: فسب المسلم بغير حق حرام بإجماع الأمة وفاعله فاسق] اهـ.
وإضافة لما سبق؛ فإنَّ السخرية من الآخرين التي تُلْحِق بهم الأذى -ولو معنويًا-؛ هي فِعْلة مُجَرَّمٌة قانونًا؛ فتنُص المادة (309 مكرر "ب") من قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937م طبقًا لآخر تعديلاته بالقانون رقم 189 لسنة 2020م: [يُعَدُّ تَنمُّرًا كُلُّ قولٍ، أو استعراض قوة، أو سيطرة للجاني، أو استغلال ضعف للمجني عليه، أو لحالة يعتقد الجاني أنها تُسيء للمجني عليه؛ كالجنس، أو العِرْق، أو الدِّيْن، أو الأوصاف البدنية، أو الحالة الصحية، أو العقلية، أو المستوى الاجتماعي؛ بقصد تخويفه أو وضعه موضع السخرية، أو الحَطِّ من شأنه، أو إقصائه من محيطه الاجتماعي.
ومع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد منصوص عليها في أي قانون آخر: يعاقب المتنمر بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد عن ثلاثين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين] اهـ.
ومن الأمور التي أَوْلَى بها الشرع عناية في جانب الحقوق لذوي الهمم: الحق في الزواج متى صَلُح له ذلك بقول المتخصصين؛ لأنَّ الزواج أمرٌ ثابتٌ بمقتضى الجِبِلَّة والطَّبع؛ لأنَّه إنسان مُرَكَّبٌ فيه الشهوةُ والعاطفةُ، وكذا الحق في التصرف في الأموال بشتَّى أنواع التصرفات المشروعة ما دام تصرفّه لمصلحةٍ معتبرةٍ ارتآها، شريطة ألَّا يُؤثِّر مرضه على تصرفه.
ويجدر الإشارة إلى أنَّ للأسرة دَور في رعاية فئة ذوي الهمم؛ من ذلك: إغداق مزيدٍ من الرعاية والحنان تجاههم؛ فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «تَرَى المؤْمِنينَ في تَراحُمِهِم، وَتَوَادِّهِمْ، وَتَعَاطُفِهِم، كَمَثَلِ الجَسَدِ إِذا اشْتَكَى عُضْواً تَدَاعَى لَهُ سائِرُ جَسَدِهِ بالسّهَرِ والحُمَّى» متفق عليه، واللفظ للبخاري.
فإذا كان هذا في حق عموم المسلمين، فهو في حق ذوي الهمم أولى وآكد.
ومن ذلك أيضًا: مراعاة الجانب النفسي لذوي الهمم، فقد أَسَّس الإسلام لمبدأ مراعاة الجوانب النفسية لأصحاب الاحتياجات الخاصة؛ فعن أنس رضي الله عنه أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، فَقَالَ: «يَا أُمَّ فُلَانٍ انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ» فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ، حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا. رواه مسلم.

وهذا من رحمته صلى الله عليه وآله وسلم بذوي الهمم ومراعاتهم نفسيًّا واجتماعيًّا والعمل على قضاء حوائجهم.
وقد كان أهل الجاهلية يترفَّعون عن مخالطة ذوي الهمم في الطعام، فنزل قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: 61].
جاء في تفسير هذ الآية: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لمَّا أنزل الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188] تحرَّج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والزمنى والعرج، وقالوا: الطعام أفضل الأموال، وقد نهى الله تعالى عن أكل المال بالباطل، والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب، والمريض لا يستوفى الطعام، فأنزل الله هذه الآية، وقال سعيد بن جبير والضحاك: كان العرجان والعميان يتنزهون عن مؤاكلة الاصحاء، لأنَّ الناس يتقذَّرونهم ويكرهون مؤاكلتهم، وكان أهل المدينة لا يخالطهم في طعامهم أعمى ولا أعرج ولا مريض تقذرًا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ينظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: 223، ط. مؤسسة الحلبي).
ومن الرعاية أيضًا: إلحاقهم بالجهات التعليمية الخاصة بهم؛ فينبغي على مَن يتولى رعايتهم أن يحرص على ذلك، فمن حقهم أن تتهيأ لهم الأسباب والطرق المناسبة لينالوا حقهم في التعلم.
يضاف لذلك أنَّ من أهمِّ أدوار الأسرة في رعاية أبنائهم من ذوي الهمم هو: السعي في علاجهم؛ فعن أسامة بن شريك رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «تَدَاوَوا عِبَادَ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يُنْزِل دَاءً، إِلَّا أَنزَلَ مَعَهُ شِفَاءً» أخرجه الإمام البخاري في "الأدب المفرد"، وأحمد في "المسند"، وغيرهم.
وعن جابر رضي الله عنه قال: "بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّم إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِي اللهُ عَنهُ طَبِيبًا، فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقًا، ثُمَّ كَوَاهُ عَلَيْهِ". أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه".
قال الشيخ ابن القيم الحنبلي في "زاد المعاد في هدي خير العباد" (4/ 9، ط. الرسالة): [فكان من هديه صلى الله عليه وآله وسلم فعل التداوي في نفسه، والأمر به لمن أصابه مرض من أهله وأصحابه] اهـ.
لكن يجب في هذا الرجوع لأهل التخصّص الذين يحسنون التعامل مع أهلينا وأبنائنا من ذوي الهمم، وقد أرشد الشرع الشريف إلى الرجوع في التداوي من الأمراض إلى متخصّصي الأطباء؛ لأنهم أهل الذِّكْر في هذا؛ فعن هلال بن يساف قال: جُرِح رجلٌ على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «اُدْعُواْ لَهُ الطَّبِيبَ» فقال: يا رسول الله، هل يُغْنِي عنه الطبيب؟ قال: «نَعَمْ، إنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إِلَّاَ أنْزَلَ مَعَهُ شِفَاءً».
وعن زيد بن أسلم أنَّ رجلًا أصابه جرح، فاحتقن الدم، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا له رجلين من بني أنمار فقال: «أيُكُمَا أَطَبُّ؟» فقال رجل: يا رسول الله، أو في الطب خير؟ فقال «إِنَّ الذِي أَنْزَلَ الدَّاءَ أَنْزَلَ الدَّوَاءَ» أخرجهما ابن أبي شيبة في "مصنفه".
وبالجملة؛ فإنَّ دار الإفتاء المصرية تُناشِد جميع فئات المجتمع بالتعامل مع ذوي الهمم بكامل التقدير، وتحَمُّل المؤسسات التعليمية والدعوية والإعلامية دورها من خلال بيان خطورة الانتقاص منهم، وإرساء ثقافة مراعاة حقوقهم وآداب التعامل معهم.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

التفاصيل ....
اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;