الحث على الرعاية الصحية للأبناء

سائل يسأل عن مدى إلزام الآباء بالرعاية الصحية لأبنائهم؟ وما حكم الإهمال في التطعيمات التي تُقدِّمها وزارة الصحة للأطفال؟ وهل يجب الالتزام بالتعليمات الصادرة عن وزارة الصحة في هذا الشأن؟

رعاية الأبناء صحيًّا أمرٌ واجبٌ شرعًا على الآباء، أو مَن يتولّى مسئولية رعايتهم، فلا يجوز الإهمال أو التهاون فيها بحالٍ من الأحوال، كما أَنَّ أخذ التطعيمات التي تُقدِّمها الجهات المختصة والتزام التعليمات والإرشادات الصحية الصادرة عن الجهات المسؤولة وأهل الاختصاص واجبٌ شرعي؛ حيث تقرر أَنَّ الأخذ بأساليب الوقاية من الأمراض واجبٌ على مَن يخشى الإصابة بها، وذلك حفاظًا على حياتهم، وحماية لأبدانهم من الأمراض، وللمجتمع من تحمُّل تبعات المرض، وآثاره، وتكاليف علاجه.

التفاصيل ....

جعل الإسلام حفظ النفس من مقاصده الكلية التي جاءت الشرائع لتحقيقها، ومن عظمة الشريعة الإسلامية أنها ارتقت بهذه المقاصد من رتبة الحقوق إلى مقام الواجبات؛ فلم تكتف بتقرير حق الإنسان في الحياة وسلامة نفسه حتى أوجبت عليه اتخاذ الوسائل التي تحافظ على حياته وصحة بدنه وتمنع عنه الأذى والضرر، ويجب ذلك على الشخص إذا كان قائمًا بأمر نفسه، فإن كان قاصرًا أو لا أهلية له، فتنتقل مسؤولية رعايته إلى مَن يعوله،  فرعاية الأبناء على الآباء واجبة، وتشمل الرعاية بكل فروعها؛ وأهمها: الرعاية الصحية، حيث إنَّ الطفل يكون غير مدرك لما ينفعه أو يضره، فأوكل الله أمر رعايته وحفظه لأبويه.

يقول الشيخ محمد أبو زهرة في "زهرة التفاسير" (9/ 4945، ط. دار الفكر العربي): [﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: 5] أي: يخرج كل واحد منكم طفلًا لَا يقوى على الحياة وحده؛ لأنَّه يكون ضعيفًا، كما قال الله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28].. والمعنى: يخرجكم طفلًا لتتربَّوا وتكبروا شيئًا شيئًا وتكَلأُون برعاية آبائكم وأمهاتكم] اهـ.

وتلك من أهم حقوق الطفل في الإسلام؛ إذ إنَّ كلَّ ما يؤدي مصلحة للطفل ويدفع عنه مفسدة فهو حقٌّ له، ولا شكَّ أنَّ نعمة الصحة من أجلِّ النعم التي ينبغي مراعاتها والعناية بها من وليِّ الولد متى كان قاصرًا؛ قال الشيخ ابن القيم الحنبلي في "زاد المعاد" (4/ 196، ط. مؤسسة الرسالة): [لما كانت الصحة من أجلِّ نِعَم الله على عبده وأجزل عطاياه وأوفر منحه بل العافية المطلقة أجلُّ النعم على الإطلاق: فحقيقٌ لمَن رُزِقَ حظًّا مِن التوفيق مراعاتُها وحفظُها وحمايتُها عما يُضادُّها] اهـ.

والتطعيمات التي تُقدِّمها الجهات الرسمية المختصة هي نوعٌ من العلاج الوقائي، وهو مطلوب شرعًا؛ حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللهِ؛ فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُنَزِّلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ مَعَهُ شِفَاءً، إِلَّا الْمَوْتَ، وَالْهَرَمَ» رواه الإمام أحمد في "المسند" من حديث أسامة بن شريك رضي الله عنه.

والحماية من الأمراض إمَّا أن تكون بالوقاية أو بالعلاج؛ فسُبُل الوقاية سابقة، ووسائل العلاج لاحقة؛ وفي ذلك يقول الإمام الشاطبي في "الموافقات" (2/ 260-261، ط. دار ابن عفان): [المؤذيات والمؤلمات خلقها الله تعالى ابتلاءً للعباد وتمحيصًا.. وفُهِمَ من مجموع الشريعة: الإذنُ في دفعها على الإطلاق؛ رفعًا للمشقة اللاحقة، وحفظًا على الحظوظ التي أذِنَ لهم فيها، بل أذن في التحرز منها عند تَوَقُّعِها وإن لم تَقَعْ؛ تكملةً لمقصود العبد، وتوسعةً عليه، وحفظًا على تكميل الخلوص في التوجه إليه والقيام بشكر النعم، فمن ذلك: الإذنُ في دفعِ ألم الجوع والعطش والحرّ والبرد، وفي التداوي عند وقوع الأمراض، وفي التَّوَقّي من كلِّ مؤذٍ؛ آدميًّا كان أو غيرَه، والتحرُّزِ من المتوقَّعات حتى يُقدِّم العُدّة لها، وهكذا سائر ما يقوم به عيشُه في هذه الدار؛ من درء المفاسد وجلب المصالح.. وكونُ هذا مأذونًا فيه معلومٌ من الدين ضرورة] اهـ.

والأصل في الوقاية أنها مرحلة استباقية تحفظية لمنع وصول الداء إلى الجسد في الابتداء، فهي خط الدفاع الأول ضد المرض، فإذا وصل الداء للجسد كان العلاج هو خط الدفاع الثاني؛ ولذلك كانت الوقاية مقدَّمةً على العلاج؛ لأنها آمَنُ منه خطرًا، وأيسرُ تبعةً، وأقلُّ تكلِفةً، فتحفظ بذلك على الإنسان جهده وصحته وماله، وتحفظ على المجتمع ما يمكن أن يتحمله من تبعات المرض وآثار تطبيبه وتكاليف علاجه.

أما العلاج: فيأتي عقب الإصابة، وغرضُه: رفع المرض من الجسم أو تقليل أثره، وقد يتعسَّر إذا أُهمِلَ المريض وتُرِكَ فيه الداءُ، بل قد يتعذر إذا تمكن منه ضررُه، واستحكم فيه أثرُه، وكلما قوي اهتمام الدول والمجتمعات بالطب الوقائي ووسائل الرعاية الصحية وازدادت لذلك ميزانياتها ووُجِّهَتْ له مخصَّصاتها كلما وفَّرت بذلك أموالًا طائلة كانت عرضةً للصرف على الطب العلاجي وتبعاته، فالاهتمام بالوقاية في كل مراحلها وتجلياتها أبعثُ على النهضة الإنسانية، وأسرعُ في معدلات النمو المجتمعي، وأدلُّ على مستوى الرُّقي الحضاري.

ومن هنا قال الحكماء: (الوقايةُ خيرٌ مِن العلاج) أو كما قيل: (درهمُ وقايةٍ خيرٌ مِن قنطارِ علاجٍ) وهذا ما عناه الفقهاء بقولهم: "الدَّفْع أسهل من الرفع"؛ فالمراد بالدفع: الاحتياطُ للأمر وتَوَقِّيه، والعملُ على تجنُّبِه وتَلَافيه، وأما الرفع: فهو إزالتُه بعد نزوله، ومحوُه بعد حلوله، فدفع الشيء يكون قبل ثبوته ابتداءً، والرفع يأتي بعد وجوده انتهاءً، فالوقاية خير من العلاج؛ لأن الوقاية دفعٌ والعلاج رفعٌ؛ أي: إنَّ الأخذ بأسباب الوقاية من المرض قبل حصوله خير وأولى من البحث عن طرق العلاج منه بعد نزوله.

وفي ذلك يقول ابن الرومي:

تَوقِّي الداء خيرٌ من تصدٍّ  ***  لأيسره وإن قرب الطبيب

وعنايةُ الشريعة بالوقاية من الضرر المحتمَل تتجلَّى في الأمر بأخذ الإنسان بأساليب الوقاية بقدر الإمكان؛ ليكون في دائرة الأمان؛ حيث يقول تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195].

ولذلك جاءت نصوص السنة النبوية مرشدة إلى أهمية الطب الوقائي؛ سواء كان ذلك عن طريق الغذاء؛ كما في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ تَصَبَّحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً، لَمْ يَضُرَّهُ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ» متفق عليه.

أو عن طريق الإجراءات الاحترازية؛ حيث نهت الشريعة عن التعرض لمَواطِنِ العدوى والضرر، وجاءت بتعاليم محكمة سبقت بها المدارس الطبية الحديثة، منها: الحجر الصحي؛ فليس للأصحاء أن يخالطوا ذوي الأمراض المعْدِية؛ كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لاَ يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» متفق عليه.

قال الإمام القسطلاني في "إرشاد الساري" (8/ 412، ط. الأميرية): [وأما النهي عن إيراد المُمْرِض: فمن باب اجتناب الأسباب التي خلقها الله تعالى وجعلها أسبابًا للهلاك أو الأذى، والعبد مأمور باتقاء أسباب البلاء إذا كان في عافية منها] اهـ.

فإذا توصلت الجهات الطبية المختصة من إيجاد لقاحٍ أو تطعيمٍ طبيّ يقي من الإصابة بمرضٍ ما أو يقلّل من احتمالية الإصابة به، ولم يكن من ورائه مضاعفات أو أخطار، فتشرع المبادرة لأخذه؛ لما في ذلك من حفظ النفس ووقايتها من الوباء؛ وقد تقرر في قواعد الفقه أنَّ للوسائل حكم المقاصد، فما يتوصل به إلى الواجب فهو واجب، وما يتوصل به إلى محرم فهو محرم، وحفظ النفوس من الهلاك واجب شرعًا، فيكون كل ما يؤدّي إليه واجبًا.

يقول العلامة شهاب الدين القرافي في "الفروق" (2/ 33، ط. عالم الكتب): [كما أَنَّ وسيلة المُحَرّم مُحَرَّمة، فوسيلة الواجب واجبة؛ كالسعي للجمعة والحج. وموارد الأحكام على قسمين: مقاصد: وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها. ووسائل: وهي الطرق المفضية إليها، وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريم وتحليل، غير أنها أخفض رتبة من المقاصد في حكمها، والوسيلة إلى أفضلِ المقاصد أفضلُ الوسائل، وإلى أقبحِ المقاصد أقبحُ الوسائل، وإلى ما يتوسط متوسطة] اهـ.

وقال الإمام العز بن عبد السلام في "قواعد الأحكام" (1/ 46، ط. دار المعارف): [وللوسائل أحكام المقاصد، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل، والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل، ثم تترتب الوسائل بترتب المصالح والمفاسد] اهـ.

فإذا فَرَض ولي الأمر علاجًا وقائِيًّا، كما يحدث في تطعيم الأطفال ضد الأمراض في مرحلة الصغر؛ فإنه يجب وجوبًا عينيًّا على الكل أن يمتثل لهذا الأمر، ولا يجوز التَّعلُّل بالأصل من كون الشفاء بيد الله وأَنَّ العلاج مندوب؛ لمخالفة هذا الأمر.

وعلى ذلك؛ فتطعيم الأبناء ضد الأمراض المستعصية واجبٌ شرعيٌّ على الآباء، أو مَن يتولى رعايتهم، ولا يجوز لهم التفريط فيه؛ لأنَّ فيه إنقاذًا لحياتهم وحماية لصحتهم، وفي تَرْك التطعيم والإعراض عنه والإهمال فيه تعريض للإصابة بأمراض قد تفتك بالبدن، وتضييع لحق من حقوقهم، وهو حمايتهم من التعرض للمخاطر والأمراض؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُ» رواه الإمام النسائي في "السنن الكبرى".

وتجدر الإشارة إلى أنَّ التزام التعليمات والإرشادات الصحية الصادرة عن الجهات المسؤولة وأهل الاختصاص واجبٌ شرعي؛ وذلك لأنَّهم هم المعنيّون بمعرفة مدى تأثير الأمراض ودرجة خطورتها، ومنوط بهم توجيه الناس نحو التصرف الصحيح والإجراءات الوقائية اللازم اتخاذها من أجل تجنب الإصابة بالمرض، أو من أجل الشفاء منه حال الإصابة به؛ إذ هم أهل التخصص وأهل الذِّكْر في ذلك؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].

ولفظ: ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ لفظٌ عام يشمل كل مَن يُعْزَى إليه عِلم، فأهل الذكر هم أهل الاختصاص في كلِّ فَنٍّ وفي كلِّ علمٍ؛ وفي ذلك يقول الإمام الزَّجَّاج في "معاني القرآن وإعرابه" (3/ 201، ط. عالم الكتب) عند كلامه على هذه الآية وأَنَّه ليس المراد منها سؤال طائفةٍ معينة: [ويجوز والله أعلم قيل لهم: سلوا كلَّ من يُذْكَرُ بعلمٍ، وافق هذه الملة أو خالفها] اهـ.

وهذا مبنيٌّ على عموم لفظ الآية الكريمة لا على خصوص سببها؛ وحملُ اللفظ على عمومه أولى ما لم يَرِد له مُخَصِّص. ينظر "العِقْد المنظوم" للإمام القرافي (1/ 530، ط. الكتبي) و"التحبير" للإمام المرداوي (6/ 2843، ط. دار الرشد).

وعلى هذا: فالواجب على مَن لم يعلم أَنْ يسأل أهل العلم والاختصاص، كما أمر الله تعالى وأمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم؛ ففي حديث جابر رضي الله عنه: «.. أَلَا سَأَلُوا إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ» أخرجه الإمام البيهقي في "السنن الكبرى".

وبناء على ما سبق: فإنَّ رعاية الأبناء صحيًّا أمرٌ واجبٌ شرعًا على الآباء، أو مَن يتولّى مسئولية رعايتهم، فلا يجوز الإهمال أو التهاون فيها بحالٍ من الأحوال، كما أَنَّ أخذ التطعيمات التي تُقدِّمها الجهات المختصة لهم واجبٌ شرعًا، حيث تقرر أَنَّ الأخذ بأساليب الوقاية من الأمراض واجبٌ على مَن يخشى الإصابة بها، وذلك حفاظًا على حياتهم، وحماية لأبدانهم من الأمراض، وللمجتمع من تحمل تبعات المرض، وآثار تطبيبه، وتكاليف علاجه.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

الحث على الرعاية الصحية للأبناء

سائل يسأل عن مدى إلزام الآباء بالرعاية الصحية لأبنائهم؟ وما حكم الإهمال في التطعيمات التي تُقدِّمها وزارة الصحة للأطفال؟ وهل يجب الالتزام بالتعليمات الصادرة عن وزارة الصحة في هذا الشأن؟

رعاية الأبناء صحيًّا أمرٌ واجبٌ شرعًا على الآباء، أو مَن يتولّى مسئولية رعايتهم، فلا يجوز الإهمال أو التهاون فيها بحالٍ من الأحوال، كما أَنَّ أخذ التطعيمات التي تُقدِّمها الجهات المختصة والتزام التعليمات والإرشادات الصحية الصادرة عن الجهات المسؤولة وأهل الاختصاص واجبٌ شرعي؛ حيث تقرر أَنَّ الأخذ بأساليب الوقاية من الأمراض واجبٌ على مَن يخشى الإصابة بها، وذلك حفاظًا على حياتهم، وحماية لأبدانهم من الأمراض، وللمجتمع من تحمُّل تبعات المرض، وآثاره، وتكاليف علاجه.

التفاصيل ....

جعل الإسلام حفظ النفس من مقاصده الكلية التي جاءت الشرائع لتحقيقها، ومن عظمة الشريعة الإسلامية أنها ارتقت بهذه المقاصد من رتبة الحقوق إلى مقام الواجبات؛ فلم تكتف بتقرير حق الإنسان في الحياة وسلامة نفسه حتى أوجبت عليه اتخاذ الوسائل التي تحافظ على حياته وصحة بدنه وتمنع عنه الأذى والضرر، ويجب ذلك على الشخص إذا كان قائمًا بأمر نفسه، فإن كان قاصرًا أو لا أهلية له، فتنتقل مسؤولية رعايته إلى مَن يعوله،  فرعاية الأبناء على الآباء واجبة، وتشمل الرعاية بكل فروعها؛ وأهمها: الرعاية الصحية، حيث إنَّ الطفل يكون غير مدرك لما ينفعه أو يضره، فأوكل الله أمر رعايته وحفظه لأبويه.

يقول الشيخ محمد أبو زهرة في "زهرة التفاسير" (9/ 4945، ط. دار الفكر العربي): [﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: 5] أي: يخرج كل واحد منكم طفلًا لَا يقوى على الحياة وحده؛ لأنَّه يكون ضعيفًا، كما قال الله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28].. والمعنى: يخرجكم طفلًا لتتربَّوا وتكبروا شيئًا شيئًا وتكَلأُون برعاية آبائكم وأمهاتكم] اهـ.

وتلك من أهم حقوق الطفل في الإسلام؛ إذ إنَّ كلَّ ما يؤدي مصلحة للطفل ويدفع عنه مفسدة فهو حقٌّ له، ولا شكَّ أنَّ نعمة الصحة من أجلِّ النعم التي ينبغي مراعاتها والعناية بها من وليِّ الولد متى كان قاصرًا؛ قال الشيخ ابن القيم الحنبلي في "زاد المعاد" (4/ 196، ط. مؤسسة الرسالة): [لما كانت الصحة من أجلِّ نِعَم الله على عبده وأجزل عطاياه وأوفر منحه بل العافية المطلقة أجلُّ النعم على الإطلاق: فحقيقٌ لمَن رُزِقَ حظًّا مِن التوفيق مراعاتُها وحفظُها وحمايتُها عما يُضادُّها] اهـ.

والتطعيمات التي تُقدِّمها الجهات الرسمية المختصة هي نوعٌ من العلاج الوقائي، وهو مطلوب شرعًا؛ حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللهِ؛ فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُنَزِّلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ مَعَهُ شِفَاءً، إِلَّا الْمَوْتَ، وَالْهَرَمَ» رواه الإمام أحمد في "المسند" من حديث أسامة بن شريك رضي الله عنه.

والحماية من الأمراض إمَّا أن تكون بالوقاية أو بالعلاج؛ فسُبُل الوقاية سابقة، ووسائل العلاج لاحقة؛ وفي ذلك يقول الإمام الشاطبي في "الموافقات" (2/ 260-261، ط. دار ابن عفان): [المؤذيات والمؤلمات خلقها الله تعالى ابتلاءً للعباد وتمحيصًا.. وفُهِمَ من مجموع الشريعة: الإذنُ في دفعها على الإطلاق؛ رفعًا للمشقة اللاحقة، وحفظًا على الحظوظ التي أذِنَ لهم فيها، بل أذن في التحرز منها عند تَوَقُّعِها وإن لم تَقَعْ؛ تكملةً لمقصود العبد، وتوسعةً عليه، وحفظًا على تكميل الخلوص في التوجه إليه والقيام بشكر النعم، فمن ذلك: الإذنُ في دفعِ ألم الجوع والعطش والحرّ والبرد، وفي التداوي عند وقوع الأمراض، وفي التَّوَقّي من كلِّ مؤذٍ؛ آدميًّا كان أو غيرَه، والتحرُّزِ من المتوقَّعات حتى يُقدِّم العُدّة لها، وهكذا سائر ما يقوم به عيشُه في هذه الدار؛ من درء المفاسد وجلب المصالح.. وكونُ هذا مأذونًا فيه معلومٌ من الدين ضرورة] اهـ.

والأصل في الوقاية أنها مرحلة استباقية تحفظية لمنع وصول الداء إلى الجسد في الابتداء، فهي خط الدفاع الأول ضد المرض، فإذا وصل الداء للجسد كان العلاج هو خط الدفاع الثاني؛ ولذلك كانت الوقاية مقدَّمةً على العلاج؛ لأنها آمَنُ منه خطرًا، وأيسرُ تبعةً، وأقلُّ تكلِفةً، فتحفظ بذلك على الإنسان جهده وصحته وماله، وتحفظ على المجتمع ما يمكن أن يتحمله من تبعات المرض وآثار تطبيبه وتكاليف علاجه.

أما العلاج: فيأتي عقب الإصابة، وغرضُه: رفع المرض من الجسم أو تقليل أثره، وقد يتعسَّر إذا أُهمِلَ المريض وتُرِكَ فيه الداءُ، بل قد يتعذر إذا تمكن منه ضررُه، واستحكم فيه أثرُه، وكلما قوي اهتمام الدول والمجتمعات بالطب الوقائي ووسائل الرعاية الصحية وازدادت لذلك ميزانياتها ووُجِّهَتْ له مخصَّصاتها كلما وفَّرت بذلك أموالًا طائلة كانت عرضةً للصرف على الطب العلاجي وتبعاته، فالاهتمام بالوقاية في كل مراحلها وتجلياتها أبعثُ على النهضة الإنسانية، وأسرعُ في معدلات النمو المجتمعي، وأدلُّ على مستوى الرُّقي الحضاري.

ومن هنا قال الحكماء: (الوقايةُ خيرٌ مِن العلاج) أو كما قيل: (درهمُ وقايةٍ خيرٌ مِن قنطارِ علاجٍ) وهذا ما عناه الفقهاء بقولهم: "الدَّفْع أسهل من الرفع"؛ فالمراد بالدفع: الاحتياطُ للأمر وتَوَقِّيه، والعملُ على تجنُّبِه وتَلَافيه، وأما الرفع: فهو إزالتُه بعد نزوله، ومحوُه بعد حلوله، فدفع الشيء يكون قبل ثبوته ابتداءً، والرفع يأتي بعد وجوده انتهاءً، فالوقاية خير من العلاج؛ لأن الوقاية دفعٌ والعلاج رفعٌ؛ أي: إنَّ الأخذ بأسباب الوقاية من المرض قبل حصوله خير وأولى من البحث عن طرق العلاج منه بعد نزوله.

وفي ذلك يقول ابن الرومي:

تَوقِّي الداء خيرٌ من تصدٍّ  ***  لأيسره وإن قرب الطبيب

وعنايةُ الشريعة بالوقاية من الضرر المحتمَل تتجلَّى في الأمر بأخذ الإنسان بأساليب الوقاية بقدر الإمكان؛ ليكون في دائرة الأمان؛ حيث يقول تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195].

ولذلك جاءت نصوص السنة النبوية مرشدة إلى أهمية الطب الوقائي؛ سواء كان ذلك عن طريق الغذاء؛ كما في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ تَصَبَّحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً، لَمْ يَضُرَّهُ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ» متفق عليه.

أو عن طريق الإجراءات الاحترازية؛ حيث نهت الشريعة عن التعرض لمَواطِنِ العدوى والضرر، وجاءت بتعاليم محكمة سبقت بها المدارس الطبية الحديثة، منها: الحجر الصحي؛ فليس للأصحاء أن يخالطوا ذوي الأمراض المعْدِية؛ كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لاَ يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» متفق عليه.

قال الإمام القسطلاني في "إرشاد الساري" (8/ 412، ط. الأميرية): [وأما النهي عن إيراد المُمْرِض: فمن باب اجتناب الأسباب التي خلقها الله تعالى وجعلها أسبابًا للهلاك أو الأذى، والعبد مأمور باتقاء أسباب البلاء إذا كان في عافية منها] اهـ.

فإذا توصلت الجهات الطبية المختصة من إيجاد لقاحٍ أو تطعيمٍ طبيّ يقي من الإصابة بمرضٍ ما أو يقلّل من احتمالية الإصابة به، ولم يكن من ورائه مضاعفات أو أخطار، فتشرع المبادرة لأخذه؛ لما في ذلك من حفظ النفس ووقايتها من الوباء؛ وقد تقرر في قواعد الفقه أنَّ للوسائل حكم المقاصد، فما يتوصل به إلى الواجب فهو واجب، وما يتوصل به إلى محرم فهو محرم، وحفظ النفوس من الهلاك واجب شرعًا، فيكون كل ما يؤدّي إليه واجبًا.

يقول العلامة شهاب الدين القرافي في "الفروق" (2/ 33، ط. عالم الكتب): [كما أَنَّ وسيلة المُحَرّم مُحَرَّمة، فوسيلة الواجب واجبة؛ كالسعي للجمعة والحج. وموارد الأحكام على قسمين: مقاصد: وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها. ووسائل: وهي الطرق المفضية إليها، وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريم وتحليل، غير أنها أخفض رتبة من المقاصد في حكمها، والوسيلة إلى أفضلِ المقاصد أفضلُ الوسائل، وإلى أقبحِ المقاصد أقبحُ الوسائل، وإلى ما يتوسط متوسطة] اهـ.

وقال الإمام العز بن عبد السلام في "قواعد الأحكام" (1/ 46، ط. دار المعارف): [وللوسائل أحكام المقاصد، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل، والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل، ثم تترتب الوسائل بترتب المصالح والمفاسد] اهـ.

فإذا فَرَض ولي الأمر علاجًا وقائِيًّا، كما يحدث في تطعيم الأطفال ضد الأمراض في مرحلة الصغر؛ فإنه يجب وجوبًا عينيًّا على الكل أن يمتثل لهذا الأمر، ولا يجوز التَّعلُّل بالأصل من كون الشفاء بيد الله وأَنَّ العلاج مندوب؛ لمخالفة هذا الأمر.

وعلى ذلك؛ فتطعيم الأبناء ضد الأمراض المستعصية واجبٌ شرعيٌّ على الآباء، أو مَن يتولى رعايتهم، ولا يجوز لهم التفريط فيه؛ لأنَّ فيه إنقاذًا لحياتهم وحماية لصحتهم، وفي تَرْك التطعيم والإعراض عنه والإهمال فيه تعريض للإصابة بأمراض قد تفتك بالبدن، وتضييع لحق من حقوقهم، وهو حمايتهم من التعرض للمخاطر والأمراض؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُ» رواه الإمام النسائي في "السنن الكبرى".

وتجدر الإشارة إلى أنَّ التزام التعليمات والإرشادات الصحية الصادرة عن الجهات المسؤولة وأهل الاختصاص واجبٌ شرعي؛ وذلك لأنَّهم هم المعنيّون بمعرفة مدى تأثير الأمراض ودرجة خطورتها، ومنوط بهم توجيه الناس نحو التصرف الصحيح والإجراءات الوقائية اللازم اتخاذها من أجل تجنب الإصابة بالمرض، أو من أجل الشفاء منه حال الإصابة به؛ إذ هم أهل التخصص وأهل الذِّكْر في ذلك؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].

ولفظ: ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ لفظٌ عام يشمل كل مَن يُعْزَى إليه عِلم، فأهل الذكر هم أهل الاختصاص في كلِّ فَنٍّ وفي كلِّ علمٍ؛ وفي ذلك يقول الإمام الزَّجَّاج في "معاني القرآن وإعرابه" (3/ 201، ط. عالم الكتب) عند كلامه على هذه الآية وأَنَّه ليس المراد منها سؤال طائفةٍ معينة: [ويجوز والله أعلم قيل لهم: سلوا كلَّ من يُذْكَرُ بعلمٍ، وافق هذه الملة أو خالفها] اهـ.

وهذا مبنيٌّ على عموم لفظ الآية الكريمة لا على خصوص سببها؛ وحملُ اللفظ على عمومه أولى ما لم يَرِد له مُخَصِّص. ينظر "العِقْد المنظوم" للإمام القرافي (1/ 530، ط. الكتبي) و"التحبير" للإمام المرداوي (6/ 2843، ط. دار الرشد).

وعلى هذا: فالواجب على مَن لم يعلم أَنْ يسأل أهل العلم والاختصاص، كما أمر الله تعالى وأمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم؛ ففي حديث جابر رضي الله عنه: «.. أَلَا سَأَلُوا إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ» أخرجه الإمام البيهقي في "السنن الكبرى".

وبناء على ما سبق: فإنَّ رعاية الأبناء صحيًّا أمرٌ واجبٌ شرعًا على الآباء، أو مَن يتولّى مسئولية رعايتهم، فلا يجوز الإهمال أو التهاون فيها بحالٍ من الأحوال، كما أَنَّ أخذ التطعيمات التي تُقدِّمها الجهات المختصة لهم واجبٌ شرعًا، حيث تقرر أَنَّ الأخذ بأساليب الوقاية من الأمراض واجبٌ على مَن يخشى الإصابة بها، وذلك حفاظًا على حياتهم، وحماية لأبدانهم من الأمراض، وللمجتمع من تحمل تبعات المرض، وآثار تطبيبه، وتكاليف علاجه.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;