حكم ترك المحاضرات لأداء الصلاة في أول الوقت ورد بعض الشبهات

 سائل يقول: يحدث أثناء المحاضرة أن يقوم بعض الطلبة بترك المحاضرة للصلاة بعد الأذان مباشرة، ولما نبهت إلى أنه يمكن تأجيل الصلاة إلى ما بعد المحاضرة، فقام بعض الطلاب بكتابة رد يتضمن بعض المناقشات.
والسؤال: هل لا بد أن تؤدى الصلاة بعد وقت الأذان مباشرة؟ وهل واجب الإدارة أن تقوم بتوفير أوقات الصلاة وعدم شغلها بالمحاضرات؟ وهل أترك المحاضرة وقت الصلاة؟
وما الرأي في الآيات والأحاديث والحُجج التي أوردَها بعض الطلاب والتي ظاهرها يؤيد هذا الرأي وهي: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]؟
وحديث: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلاَةُ لِوَقْتِهَا، وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ، ثُمَّ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
وحديث عَائِشَةَ رضي الله عنها: مَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: «كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ»
وأنه لو أبيح تأخير الصلاة عن وقتها ولو قليلًا لكان الأمر أولى أثناء الحروب، وهو ما لم يحدث فكانت صلاة الخوف.

 مثل هذه المسائل التنظيمية في المحاضرات العلمية يُرجَع فيها إلى الأستاذ المحاضر وجهة الإدارة التي تقوم على العملية التعليمية تنظيمًا وإشرافًا؛ فإن كان الأمرُ يَتَحَمَّلُ أداءَ الصلاة أولَ الوقت مِن غير شتات في المحاضرة ولا اختلال في التحصيل العلمي وسمح بذلك الأستاذ المحاضر فهو خير وأَوْلَى، أما إذا كان الأمر يقتضي الاستمرار في المحاضرة على ما يراه المعلم المحاضر فالتزام الحضور وتأخير الصلاة عن أول وقتها هو ما تدل عليه الأدلة والقواعد الشرعية والمصالح المرعية.
أما الآيات والأحاديث التي يحتج بها مَن يُريد فرض رأيه في ذلك فهي؛ إما احتجاج غير صحيح أو احتجاج في غير موضعه؛ فالآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103] معناها: أن الله تعالى فرض لكلِّ صلاة وقتًا وقَّته لها يجب أن تقام في أي جزء من أجزائه، لا أنه يجب أن تقام الصلاة في أول الوقت.
وأما الاستدلال بحديث ابن مسعود رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلاَةُ لِوَقْتِهَا، وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ، ثُمَّ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»: فلا يدل على وجوب الصلاة أول الوقت من قريب ولا بعيد؛ فإن التعبير بـ«أَفْضَلُ» يدل على أن لكلا العملين فضلًا، ويزيد أحدهما على الآخر فيه.
وأما حديث السيدة عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: «كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ» لا يدل على شيء أكثر من اهتمامه صلى الله عليه وآله وسلم بأمر الصلاة وتعظيمه لها وحرصه عليها، لا أنه كان يوجبها أول الوقت بل مر ما يدل على خلافه كما مر في قصة إصلاحه بين بني عوف وفي قصة تأخير الصلاة في غزوة الخندق.
كما أنه لا يعرف أن الشرع استحب الصلاة أول الوقت في أوقات الحروب كما جاء في اعتراض بعض الطلاب، بل ما حدث في غزوة الخندق من تأخير الصلاة يدل على خلاف ذلك، ومشروعية صلاة الخوف في الحروب لا تدل على هذا، بل هو دليل على مراعاة الشرع للظروف واعتباره للأحوال عند القيام بالفرائض

التفاصيل ....

الصلاة ركن الدين، وأداؤها في وقتها من أوجب الواجبات التي افترضها الله تعالى على المسلمين؛ فقال الله سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]؛ فلم يسقط الشرع وجوبها في القتال، ولا في المرض الشديد، وإنما شرع لكل هذه الحالات رُخَصًا تناسبها وهيئاتٍ تخفف عن أصحابها؛ بحيث تُؤَدَّى في وقتها من غير حرج أو مشقة.
وقد جعل الشارع الكريم لهذه الصلاة أوقاتًا معينة، وجعل أداءها في غير هذه الأوقات من غير عذرٍ إثمًا، ولرفع الحرج عن المكلَّفين وسَّعَ الشارع الحكيم في أوقات الصلوات، فجعل لها أولًا وآخرًا، وجعل أداءها في أي جزء من هذه الأوقات مُجْزِئًا.
وهذا ما علمه جبريلُ عليه السلام النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، وقررته السنة النبوية الشريفة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ لِلصَّلاَةِ أَوَّلاً وَآخِرًا، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ صَلاَةِ الظُّهْرِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وَآخِرَ وَقْتِهَا حِينَ يَدْخُلُ وَقْتُ العَصْرِ، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ صَلاَةِ العَصْرِ حِينَ يَدْخُلُ وَقْتُهَا، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ تَصْفَرُّ الشَّمْسُ، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ حِينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ يَغِيبُ الأُفُقُ، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ العِشَاءِ الآخِرَةِ حِينَ يَغِيبُ الأُفُقُ، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ يَنْتَصِفُ اللَّيْلُ، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الفَجْرِ حِينَ يَطْلُعُ الفَجْرُ، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ» رواه الإمامان الترمذي والنسائي في "سننيهما".
ولذلك كان أداء الصلاة في وقتها من باب الواجب الموسَّع الذي يصح أداؤه في أي جزء من وقته؛ فالوجوب يتعلق بالأداء في أي جزء من الوقت بحيث لا يجوز إخلاء جميع أجزاء الوقت من العبادة، والسّعَةُ تتعلق بجواز انتقاء أي جزء من أجزاء هذا الوقت لإيقاع الصلاة فيه؛ أي أن متعلَّق الوجوب لا توسعة فيه، ومتعلَّق التوسعة لا وجوب فيه، كما يعبر الأصوليون، وتعيين أول الوقت لأداء الصلاة فيه هو من النوافل والفضائل لا من الفرائض.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله سلم تقديمه لأَوْلَى المصلحتين على الأخرى حتى ولو كان على حساب تأخير الصلاة عن أول وقتها للمصلحة؛ كالإصلاح بين الناس كما حدث هذا عند إصلاحه بين بني عمرو بن عوف.
وعُرِفَ من الشرع الشريف استحباب تأخير الصلاة عن أول وقتها لبعض المصالح والحاجات الشرعية والعاديِّة؛ كما في استحباب الإسفار بصلاة الفجر، والإبراد بصلاة الظهر، وتأخير العشاء إلى ثلث الليل، وغير ذلك.
فروى الإمامان البخاري ومسلم في "صحيحيهما" عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: «بلغ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فِي أُنَاسٍ مَعَهُ، فَحُبِسَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ وَحَانَتِ الصَّلاَةُ، فَجَاءَ بِلاَلٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ قَدْ حُبِسَ، وَقَدْ حَانَتِ الصَّلاَةُ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَؤُمَّ النَّاسَ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنْ شِئْتَ..» الحديث.
وروى الإمامان أحمد في "مسنده" ومسلم في "صحيحه" عن بُرَيْدَةَ بن الحُصَيْبِ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ: «صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ يَعْنِي الْيَوْمَيْنِ فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرَ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي أَمَرَهُ فَأَبْرَدَ بِالظُّهْرِ، فَأَبْرَدَ بِهَا، فَأَنْعَمَ أَنْ يُبْرِدَ بِهَا، وَصَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ أَخَّرَهَا فَوْقَ الَّذِي كَانَ، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَمَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، وَصَلَّى الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ بِهَا، ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: وَقْتُ صَلَاتِكُمْ بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ».
قال الإمام النووي في "شرح مسلم" (5/ 114، ط. دار إحياء التراث العربي): [وفيه احتمال تأخير الصلاة عن أول وقتها، وترك فضيلة أول الوقت لمصلحة راجحة] اهـ.
وذكر الفقهاء في كتب "الأشباه والنظائر" كالإمام السيوطي (ص: 82، ط. دار الكتب العلمية)، والإمام ابن نجيم (ص: 71، ط. دار الكتب العلمية) من أنواع التخفيفات: تخفيفَ تأخير؛ كالجمع بمزدلفة، وتأخير رمضان للمريض والمسافر، وتأخير الصلاة عن وقتها في حق مشتغل بإنقاذ غريق ونحوه.
وورد في السنة النبوية أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم شغله كفار قريش في يوم الخندق عن صلاة العصر؛ فروى الإمامان البخاري ومسلم في "صحيحيهما" عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه جَاءَ يَوْمَ الخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي العَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا» فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلاَةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى العَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا المَغْرِبَ».
وأخذ الفقهاء من ذلك أن المكلف إذا منعه مانع عن أداء الصلاة حتى خرج وقتها بالكلية؛ لانشغاله بواجب متعين عليه في هذا الوقت، فإنه لا يأثم بهذا التأخير.
جاء في "أنوار البروق في أنواء الفروق" (2/ 64، ط. عالم الكتب): [وحكم العذر الشرعي كحكم العذر الحسي. أما الحسي: فكالنوم المستغرق لوقت الصلاة. وأما الشرعي: فكمزاحمة واجب تفوت مصلحته إن أُخِّر؛ كما في إنقاذ غريق يستغرق وقت الصلاة] اهـ. كما حدث هذا في غزوة الخندق؛ حيث قُدِّمت مصلحة الجهاد وحماية المسلمين على مراعاة وقت الصلاة.
بل ورد في الشريعة ما يدل على أنَّ انتظار الجماعة أو حضور الناس أَوْلَى من الصلاة في أول الوقت منفردًا، وهذا يقتضي أن انتظار الطلاب الصلاة لمَا بعد المحاضرة في الجمع الكثير أكثر ثوابًا من صلاتها أوّل الوقت فرادى أو جماعات صغيرة.
فروى الإمامان البخاري ومسلم في "صحيحيهما" عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم قال: "سألْنا جابرَ بن عبد الله رضي الله عنهما عن صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهَاجِرَةِ، وَالعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَالمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالعِشَاءَ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ، وَإِذَا قَلُّوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ بِغَلَسٍ".
قال الحافظ القسطلاني في "إرشاد الساري" (1/ 502، ط. المطبعة الكبرى الأميرية): [وفيه إشارة إلى أن تأخير الصلاة للجماعة أفضل من صلاتها أول الوقت منفردًا، بل فيه أخصُّ مِن ذلك؛ وهو أنَّ التأخير لانتظار مَن تكثُر بهم الجماعةُ أفضلُ] اهـ.
وأساتذة الجامعة هم موظفون وأُجَرَاءُ لأوقات معينة لأعمال التدريس يتعاقدون عليها ويأخذون عليها أجرًا، وهذا الأجر في مقابل احتباسِهم أنفسَهم واستقطاعِهم جزءًا معينًا من وقتهم لصرفه في هذا العمل، وليس لهم أن يقوموا بأي عمل آخر من شأنه أن يأخذ من وقتهم ما يؤثر على جودة أدائهم في عملهم، ما لم يكن متفقًا عند التعاقد على استقطاع شيء من الوقت، كما أنَّ طلاب الجامعة ملزمون بما يلتزم به الأساتذة من الانقطاع للدرس أثناءه حتى تتم العملية التعليمية، ويتأهل الطلاب لتخصصاتهم المختلفة التي يعد القيام بها وسد حاجات الأمة منها من فروض الكفايات.
وإذا تعارض الواجب والمستحب لزم تقديم الواجب، وقيام الأساتذة والطلاب بما أنيط بهم من مهام وتكاليف علمية وتعليمية هو أمر واجب التزموا به بموجب العقد المُبْرَم بينهم وبين الجامعة والدولة، والصلاة في أول الوقت من المستحبات والفضائل، فالانصراف والتشاغل عن هذا الواجب الذي أَلْزَم به الطالب نفسه إلى المستحب الذي فسح الشرع للمكلَّف فيه وهو أن يؤدي الصلاة بعد أداء ما عليه، اختلال في الأولويات واضطراب في المفاهيم، واستدلال بالأدلة في غير ما تدل عليه، وادِّعاء أن الشرع أمر بذلك، وإن اختل نظام المحاضرات هو في الحقيقة تدليسٌ على الخلق بإيهامهم أن الشريعة تدعو إلى عدم النظام وعدم الالتزام ولم ترفع الحرج عن المكلَّفين، وليس من الشريعة في شيءٍ تقديمُ المُستَحَبِّ المُوسَّع على الواجب الذي يفوت بأداء المستحب؛ لأنه تشاغلٌ بغير واجب في الوقت عما هو واجب فيه، لأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة وحقوق العباد مبنية على المُشاحّة.
وحاصل القول في ذلك: أن على الإنسان أن يعبد ربه كما يريد الله لا كما يريد هو، فلا يسوغ له أن يقدم المستحبات على الواجبات، ولا أن يجعل السُّنَنَ تُكَأَةً لترك الفرائض والواجبات المنوطة به شرعًا أو التزامًا أو عرفًا، ولا أن يظهر بمظهر من لا يحترم التزامًا ولا يراعي واجبًا ولا نظامًا عامًّا بدعوى أن الشرع أمره بذلك، ولا أن يخلّ بدولاب الأعمال العلمية والعملية التي هي من فروض الكفايات؛ لتوهمه أن ذلك أفضل عند الله تعالى فهذا خلل في ترتيب الأولويات عند المسلم.
وفي كثير من الأحيان تكون المصلحة مقتضية لاستمرار المحاضرة حتى يكتمل الاستيعاب وتترابط المسائل العلمية، وحينئذ يكون انتظار الفراغ من المحاضرة والصلاة بعدها أكثر ثوابًا وأجرًا عند الله تعالى من قطعها وتشتيت نظامها؛ لمَا في ذلك مِن الجمع بين الحفاظ على العملية التعليمية من جهة، وفرصة صلاة أكبر عدد من الطلاب بعدها من جهة أخرى، وإعطاء الطلاب الوقت الكافي للوضوء والاستعداد للصلاة، وانتظام الجماعة؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يَدُ اللهِ مَعَ الجَمَاعَةِ» رواه الإمام الترمذي وحسَّنه، والإمام النسائي في "سننيهما" عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وتنظيم مجلس العلم موكول للعالم الذي يقوم على العملية التعليمية؛ فالمسؤولية الملقاة عليه في إيصال العلم لطلابه تُخَوِّل له سلطة التعامل مع قاعة الدرس ومَنْ فيها تنظيمًا وإشرافًا بما يراه أنسب لاكتمال الجو العلمي؛ فإن سمح بالخروج بناءً على أنَّ الأمر يتحمل أداء الصلاة أولَ الوقت من غير شتات في المحاضرة ولا اختلال في التحصيل العلمي فهو خير وأَوْلَى؛ جمعًا بين المصلحتين، وتحصيلًا للثوابَين، أما إن رأى أن تمام الاستيعاب واكتمال الجو العلمي يقتضي الاستمرار في المحاضرة، وكان في وقت الصلاة فسحة بعد المحاضرة: فعلى الطلبة الالتزام بذلك وتأخير الصلاة عن أول وقتها، وهذا هو ما تدل عليه الأدلة والقواعد الشرعية والمصالح المرعية.
والشريعة أمرت باحترام المعلم وإعطائه حقه، والتأدب بين يديه، وجعلت من الكبائر أن لا يعرف الطالب له حقه وقدره؛ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ» رواه الإمام أحمد في "مسنده" والحاكم في "المستدرك" وصححه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
ومن تمام احترامِه طاعتُه في انتظام العملية التعليمية، وعدم الخروج بغير إذنه أثناء المحاضرة ما دام وقت الصلاة باقيًا كافيًا.
ثم إن من التخصصات العلمية ما يصعب معه استكمال العملية التعليمية على وجهها إذا قُطِعَت المحاضرة بالخروج أول وقت الصلاة لأدائها؛ فيفقد الجو العلمي حينئذ بعض عناصر نجاحه، ويتسبب الطالب في الفساد من حيث أراد الصلاح.
كما أن لأدواء النفوس وعللها في مثل هذه التصرفات مجالًا رحبًا ومتسعًا خصبًا؛ فيتسلل للنفس حب الظهور والتميز على الأقران وفرض الآراء من خلال ما يظنه أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، مع جهله بما يأمر به وما ينهى عنه، فيكون ذلك سببًا في صد الناس عن الالتزام بالشريعة إذا رأوا من ينتسب إليها على هذه الحالة من الخلط في المفاهيم واضطراب الأولويات، وعدم القدرة على موازنة المصالح.
أما الآيات والأحاديث التي يحتج مَن يريد فرض ذلك بها فهو بين احتجاج غير صحيح واحتجاج في غير موضعه؛ فالآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103] معناها: أن الله تعالى فرض لكلِّ صلاة وقتًا وقَّته لها يجب أن تقام في أي جزء من أجزائه، لا أنه يجب أن تقام الصلاة في أول الوقت.
وأما الاستدلال بما رواه الإمام البخاري من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلاَةُ لِوَقْتِهَا، وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ، ثُمَّ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ»: فلا يدل على وجوب الصلاة أول الوقت من قريب ولا بعيد؛ فإن التعبير بـ«أفضل» يدل على أن لكلا العملين فضلًا، ويزيد أحدهما على الآخر فيه؛ فغاية المراد إن صح أنَّ الصلاة في أول الوقت أفضل ما لم يَعْرِضْ ما يُعَارِضُ هذا الفضلَ، ثم إن الحديث ذكر الصلاة على وقتها ولم يعين أول الوقت لهذا الفضل.
قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله في كتابه "إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام" (1/ 163، ط. السنة المحمدية): [ليس فيه ما يقتضي أول الوقت وآخره. وكان المقصود به: الاحتراز عما إذا وقعت خارج الوقت قضاء] اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "فتح الباري" (2/ 9، ط. دار المعرفة): [المشاركة أي في قوله: أفضل إنما هي بالنسبة إلى الصلاة وغيرها من الأعمال، فإن وقعت الصلاة في وقتها كانت أحب إلى الله من غيرها من الأعمال، فوقع الاحتراز عما إذا وقعت خارج وقتها من معذور كالنائم والناسي؛ فإن إخراجهما لها عن وقتها لا يوصف بالتحريم ولا يوصف بكونه أفضل الأعمال مع كونه محبوبًا، لكن إيقاعها في الوقت أحب] اهـ.
وحديث الإمام البخاري الذي رواه في "صحيحه" عن عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: «كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ» لا يدل على شيء أكثر من اهتمامه صلى الله عليه وآله وسلم بأمر الصلاة وتعظيمه لها وحرصه عليها، لا أنه كان يوجبها أول الوقت بل مرَّ ما يدل على خلافه كما مرّ في قصة إصلاحه بين بني عوف، وفي قصة تأخير الصلاة في غزوة الخندق.
وفي بعض الأحيان يتعسر أو يتعذر على الكليات والمعاهد العلمية والمدارس أن تخرج طلبتها جميعًا في وقت واحد للوضوء والصلاة؛ ممَّا يجعل تقسيم الخروج إلى الصلاة حينئذ متعينًا؛ بدلًا من الخروج دفعة واحدة، وقد تقرر في قواعد الفقه أنَّ "المشقة تجلب التيسير".
كما أنه لا يعرف أن الشرع استحب الصلاة أول الوقت في أوقات الحروب كما جاء في اعتراض بعض الطلاب، بل ما حدث في غزوة الخندق بخلاف ذلك كما مر، ومشروعية صلاة الخوف في الحروب لا تدل على هذا، بل هو دليل على مراعاة الشرع للظروف واعتباره للأحوال عند القيام بالفرائض.
وعلى المحاضر أن يخلي وقتًا كافيًا لأداء الصلوات الخمس إذا كان الوقت سيخرج كله ولا يبقى وقت لأداء الفريضة في أول الوقت أو آخره، ويُتْرَك للمحاضر أو لإدارة الكلية أو الجامعة حسب العرف العلمي والإداري تحديد هذا الوقت حسب ما تقتضيه مصلحة العملية التعليمية.
قال العلّامة البجيرمي الشافعي في "حاشيته على شرح منهج الطلاب" لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري (3/ 174، ط. الحلبي): [وأوقاتُ الصلوات الخمس، وطهارتُها، وراتبتُها، وزمنُ الأكل، وقضاء الحاجة: مُستَثناةٌ من الإجارة؛ فيصليها بمحله، أو بالمسجد إذا استوى الزَّمَنان في حَقِّه، وإلا تعين مَحَلُّه] اهـ.
وبناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فمثل هذه المسائل التنظيمية في المحاضرات العلمية يُرجَع فيها إلى الأستاذ المحاضر وجهة الإدارة التي تقوم على العملية التعليمية تنظيمًا وإشرافًا؛ فإن كان الأمرُ يَتَحَمَّلُ أداءَ الصلاة أولَ الوقت مِن غير شتات في المحاضرة ولا اختلال في التحصيل العلمي وسمح بذلك الأستاذ المحاضر فهو خير وأَوْلَى، أما إذا كان الأمر يقتضي الاستمرار في المحاضرة على ما يراه المعلم المحاضر فالتزام الحضور وتأخير الصلاة عن أول وقتها هو ما تدل عليه الأدلة والقواعد الشرعية والمصالح المرعية، وعلى الطالب أن يتأدب بين يدي معلمه، وأن يتبع هذه التعليمات والنُّظُم ليساهم بذلك في نجاح العملية التعليمية ونشر العلم على وجهه، من غير مزايدة ولا إفراط ولا تفريط، وما دام الطالب أو الأستاذ المسلم مكلَّفًا بالمحاضرة، وكان في الخروج أثناءَها تشتيتٌ لنظامها، وأمكن إدراك الصلاة في وقتها بعد وقت المحاضرة: فليس من الشريعة في شيء أن يقطع المحاضرة ويشوِّش انتظامها بخروجه ومَن معه بحجة أداء الصلاة في أول وقتها، كما أنه يجب على المحاضر وعلى الإدارة أن تتيح وقتًا كافيًا لأداء الصلاة في أي وقت من أوقات الجواز، وأن يُراعَى إدراكُها قبل خروج وقتها.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

حكم ترك المحاضرات لأداء الصلاة في أول الوقت ورد بعض الشبهات

 سائل يقول: يحدث أثناء المحاضرة أن يقوم بعض الطلبة بترك المحاضرة للصلاة بعد الأذان مباشرة، ولما نبهت إلى أنه يمكن تأجيل الصلاة إلى ما بعد المحاضرة، فقام بعض الطلاب بكتابة رد يتضمن بعض المناقشات.
والسؤال: هل لا بد أن تؤدى الصلاة بعد وقت الأذان مباشرة؟ وهل واجب الإدارة أن تقوم بتوفير أوقات الصلاة وعدم شغلها بالمحاضرات؟ وهل أترك المحاضرة وقت الصلاة؟
وما الرأي في الآيات والأحاديث والحُجج التي أوردَها بعض الطلاب والتي ظاهرها يؤيد هذا الرأي وهي: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]؟
وحديث: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلاَةُ لِوَقْتِهَا، وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ، ثُمَّ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
وحديث عَائِشَةَ رضي الله عنها: مَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: «كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ»
وأنه لو أبيح تأخير الصلاة عن وقتها ولو قليلًا لكان الأمر أولى أثناء الحروب، وهو ما لم يحدث فكانت صلاة الخوف.

 مثل هذه المسائل التنظيمية في المحاضرات العلمية يُرجَع فيها إلى الأستاذ المحاضر وجهة الإدارة التي تقوم على العملية التعليمية تنظيمًا وإشرافًا؛ فإن كان الأمرُ يَتَحَمَّلُ أداءَ الصلاة أولَ الوقت مِن غير شتات في المحاضرة ولا اختلال في التحصيل العلمي وسمح بذلك الأستاذ المحاضر فهو خير وأَوْلَى، أما إذا كان الأمر يقتضي الاستمرار في المحاضرة على ما يراه المعلم المحاضر فالتزام الحضور وتأخير الصلاة عن أول وقتها هو ما تدل عليه الأدلة والقواعد الشرعية والمصالح المرعية.
أما الآيات والأحاديث التي يحتج بها مَن يُريد فرض رأيه في ذلك فهي؛ إما احتجاج غير صحيح أو احتجاج في غير موضعه؛ فالآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103] معناها: أن الله تعالى فرض لكلِّ صلاة وقتًا وقَّته لها يجب أن تقام في أي جزء من أجزائه، لا أنه يجب أن تقام الصلاة في أول الوقت.
وأما الاستدلال بحديث ابن مسعود رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلاَةُ لِوَقْتِهَا، وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ، ثُمَّ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»: فلا يدل على وجوب الصلاة أول الوقت من قريب ولا بعيد؛ فإن التعبير بـ«أَفْضَلُ» يدل على أن لكلا العملين فضلًا، ويزيد أحدهما على الآخر فيه.
وأما حديث السيدة عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: «كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ» لا يدل على شيء أكثر من اهتمامه صلى الله عليه وآله وسلم بأمر الصلاة وتعظيمه لها وحرصه عليها، لا أنه كان يوجبها أول الوقت بل مر ما يدل على خلافه كما مر في قصة إصلاحه بين بني عوف وفي قصة تأخير الصلاة في غزوة الخندق.
كما أنه لا يعرف أن الشرع استحب الصلاة أول الوقت في أوقات الحروب كما جاء في اعتراض بعض الطلاب، بل ما حدث في غزوة الخندق من تأخير الصلاة يدل على خلاف ذلك، ومشروعية صلاة الخوف في الحروب لا تدل على هذا، بل هو دليل على مراعاة الشرع للظروف واعتباره للأحوال عند القيام بالفرائض

التفاصيل ....

الصلاة ركن الدين، وأداؤها في وقتها من أوجب الواجبات التي افترضها الله تعالى على المسلمين؛ فقال الله سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]؛ فلم يسقط الشرع وجوبها في القتال، ولا في المرض الشديد، وإنما شرع لكل هذه الحالات رُخَصًا تناسبها وهيئاتٍ تخفف عن أصحابها؛ بحيث تُؤَدَّى في وقتها من غير حرج أو مشقة.
وقد جعل الشارع الكريم لهذه الصلاة أوقاتًا معينة، وجعل أداءها في غير هذه الأوقات من غير عذرٍ إثمًا، ولرفع الحرج عن المكلَّفين وسَّعَ الشارع الحكيم في أوقات الصلوات، فجعل لها أولًا وآخرًا، وجعل أداءها في أي جزء من هذه الأوقات مُجْزِئًا.
وهذا ما علمه جبريلُ عليه السلام النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، وقررته السنة النبوية الشريفة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ لِلصَّلاَةِ أَوَّلاً وَآخِرًا، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ صَلاَةِ الظُّهْرِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وَآخِرَ وَقْتِهَا حِينَ يَدْخُلُ وَقْتُ العَصْرِ، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ صَلاَةِ العَصْرِ حِينَ يَدْخُلُ وَقْتُهَا، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ تَصْفَرُّ الشَّمْسُ، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ حِينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ يَغِيبُ الأُفُقُ، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ العِشَاءِ الآخِرَةِ حِينَ يَغِيبُ الأُفُقُ، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ يَنْتَصِفُ اللَّيْلُ، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الفَجْرِ حِينَ يَطْلُعُ الفَجْرُ، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ» رواه الإمامان الترمذي والنسائي في "سننيهما".
ولذلك كان أداء الصلاة في وقتها من باب الواجب الموسَّع الذي يصح أداؤه في أي جزء من وقته؛ فالوجوب يتعلق بالأداء في أي جزء من الوقت بحيث لا يجوز إخلاء جميع أجزاء الوقت من العبادة، والسّعَةُ تتعلق بجواز انتقاء أي جزء من أجزاء هذا الوقت لإيقاع الصلاة فيه؛ أي أن متعلَّق الوجوب لا توسعة فيه، ومتعلَّق التوسعة لا وجوب فيه، كما يعبر الأصوليون، وتعيين أول الوقت لأداء الصلاة فيه هو من النوافل والفضائل لا من الفرائض.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله سلم تقديمه لأَوْلَى المصلحتين على الأخرى حتى ولو كان على حساب تأخير الصلاة عن أول وقتها للمصلحة؛ كالإصلاح بين الناس كما حدث هذا عند إصلاحه بين بني عمرو بن عوف.
وعُرِفَ من الشرع الشريف استحباب تأخير الصلاة عن أول وقتها لبعض المصالح والحاجات الشرعية والعاديِّة؛ كما في استحباب الإسفار بصلاة الفجر، والإبراد بصلاة الظهر، وتأخير العشاء إلى ثلث الليل، وغير ذلك.
فروى الإمامان البخاري ومسلم في "صحيحيهما" عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: «بلغ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فِي أُنَاسٍ مَعَهُ، فَحُبِسَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ وَحَانَتِ الصَّلاَةُ، فَجَاءَ بِلاَلٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ قَدْ حُبِسَ، وَقَدْ حَانَتِ الصَّلاَةُ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَؤُمَّ النَّاسَ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنْ شِئْتَ..» الحديث.
وروى الإمامان أحمد في "مسنده" ومسلم في "صحيحه" عن بُرَيْدَةَ بن الحُصَيْبِ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ: «صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ يَعْنِي الْيَوْمَيْنِ فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرَ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي أَمَرَهُ فَأَبْرَدَ بِالظُّهْرِ، فَأَبْرَدَ بِهَا، فَأَنْعَمَ أَنْ يُبْرِدَ بِهَا، وَصَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ أَخَّرَهَا فَوْقَ الَّذِي كَانَ، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَمَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، وَصَلَّى الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ بِهَا، ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: وَقْتُ صَلَاتِكُمْ بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ».
قال الإمام النووي في "شرح مسلم" (5/ 114، ط. دار إحياء التراث العربي): [وفيه احتمال تأخير الصلاة عن أول وقتها، وترك فضيلة أول الوقت لمصلحة راجحة] اهـ.
وذكر الفقهاء في كتب "الأشباه والنظائر" كالإمام السيوطي (ص: 82، ط. دار الكتب العلمية)، والإمام ابن نجيم (ص: 71، ط. دار الكتب العلمية) من أنواع التخفيفات: تخفيفَ تأخير؛ كالجمع بمزدلفة، وتأخير رمضان للمريض والمسافر، وتأخير الصلاة عن وقتها في حق مشتغل بإنقاذ غريق ونحوه.
وورد في السنة النبوية أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم شغله كفار قريش في يوم الخندق عن صلاة العصر؛ فروى الإمامان البخاري ومسلم في "صحيحيهما" عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه جَاءَ يَوْمَ الخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي العَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا» فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلاَةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى العَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا المَغْرِبَ».
وأخذ الفقهاء من ذلك أن المكلف إذا منعه مانع عن أداء الصلاة حتى خرج وقتها بالكلية؛ لانشغاله بواجب متعين عليه في هذا الوقت، فإنه لا يأثم بهذا التأخير.
جاء في "أنوار البروق في أنواء الفروق" (2/ 64، ط. عالم الكتب): [وحكم العذر الشرعي كحكم العذر الحسي. أما الحسي: فكالنوم المستغرق لوقت الصلاة. وأما الشرعي: فكمزاحمة واجب تفوت مصلحته إن أُخِّر؛ كما في إنقاذ غريق يستغرق وقت الصلاة] اهـ. كما حدث هذا في غزوة الخندق؛ حيث قُدِّمت مصلحة الجهاد وحماية المسلمين على مراعاة وقت الصلاة.
بل ورد في الشريعة ما يدل على أنَّ انتظار الجماعة أو حضور الناس أَوْلَى من الصلاة في أول الوقت منفردًا، وهذا يقتضي أن انتظار الطلاب الصلاة لمَا بعد المحاضرة في الجمع الكثير أكثر ثوابًا من صلاتها أوّل الوقت فرادى أو جماعات صغيرة.
فروى الإمامان البخاري ومسلم في "صحيحيهما" عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم قال: "سألْنا جابرَ بن عبد الله رضي الله عنهما عن صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهَاجِرَةِ، وَالعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَالمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالعِشَاءَ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ، وَإِذَا قَلُّوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ بِغَلَسٍ".
قال الحافظ القسطلاني في "إرشاد الساري" (1/ 502، ط. المطبعة الكبرى الأميرية): [وفيه إشارة إلى أن تأخير الصلاة للجماعة أفضل من صلاتها أول الوقت منفردًا، بل فيه أخصُّ مِن ذلك؛ وهو أنَّ التأخير لانتظار مَن تكثُر بهم الجماعةُ أفضلُ] اهـ.
وأساتذة الجامعة هم موظفون وأُجَرَاءُ لأوقات معينة لأعمال التدريس يتعاقدون عليها ويأخذون عليها أجرًا، وهذا الأجر في مقابل احتباسِهم أنفسَهم واستقطاعِهم جزءًا معينًا من وقتهم لصرفه في هذا العمل، وليس لهم أن يقوموا بأي عمل آخر من شأنه أن يأخذ من وقتهم ما يؤثر على جودة أدائهم في عملهم، ما لم يكن متفقًا عند التعاقد على استقطاع شيء من الوقت، كما أنَّ طلاب الجامعة ملزمون بما يلتزم به الأساتذة من الانقطاع للدرس أثناءه حتى تتم العملية التعليمية، ويتأهل الطلاب لتخصصاتهم المختلفة التي يعد القيام بها وسد حاجات الأمة منها من فروض الكفايات.
وإذا تعارض الواجب والمستحب لزم تقديم الواجب، وقيام الأساتذة والطلاب بما أنيط بهم من مهام وتكاليف علمية وتعليمية هو أمر واجب التزموا به بموجب العقد المُبْرَم بينهم وبين الجامعة والدولة، والصلاة في أول الوقت من المستحبات والفضائل، فالانصراف والتشاغل عن هذا الواجب الذي أَلْزَم به الطالب نفسه إلى المستحب الذي فسح الشرع للمكلَّف فيه وهو أن يؤدي الصلاة بعد أداء ما عليه، اختلال في الأولويات واضطراب في المفاهيم، واستدلال بالأدلة في غير ما تدل عليه، وادِّعاء أن الشرع أمر بذلك، وإن اختل نظام المحاضرات هو في الحقيقة تدليسٌ على الخلق بإيهامهم أن الشريعة تدعو إلى عدم النظام وعدم الالتزام ولم ترفع الحرج عن المكلَّفين، وليس من الشريعة في شيءٍ تقديمُ المُستَحَبِّ المُوسَّع على الواجب الذي يفوت بأداء المستحب؛ لأنه تشاغلٌ بغير واجب في الوقت عما هو واجب فيه، لأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة وحقوق العباد مبنية على المُشاحّة.
وحاصل القول في ذلك: أن على الإنسان أن يعبد ربه كما يريد الله لا كما يريد هو، فلا يسوغ له أن يقدم المستحبات على الواجبات، ولا أن يجعل السُّنَنَ تُكَأَةً لترك الفرائض والواجبات المنوطة به شرعًا أو التزامًا أو عرفًا، ولا أن يظهر بمظهر من لا يحترم التزامًا ولا يراعي واجبًا ولا نظامًا عامًّا بدعوى أن الشرع أمره بذلك، ولا أن يخلّ بدولاب الأعمال العلمية والعملية التي هي من فروض الكفايات؛ لتوهمه أن ذلك أفضل عند الله تعالى فهذا خلل في ترتيب الأولويات عند المسلم.
وفي كثير من الأحيان تكون المصلحة مقتضية لاستمرار المحاضرة حتى يكتمل الاستيعاب وتترابط المسائل العلمية، وحينئذ يكون انتظار الفراغ من المحاضرة والصلاة بعدها أكثر ثوابًا وأجرًا عند الله تعالى من قطعها وتشتيت نظامها؛ لمَا في ذلك مِن الجمع بين الحفاظ على العملية التعليمية من جهة، وفرصة صلاة أكبر عدد من الطلاب بعدها من جهة أخرى، وإعطاء الطلاب الوقت الكافي للوضوء والاستعداد للصلاة، وانتظام الجماعة؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يَدُ اللهِ مَعَ الجَمَاعَةِ» رواه الإمام الترمذي وحسَّنه، والإمام النسائي في "سننيهما" عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وتنظيم مجلس العلم موكول للعالم الذي يقوم على العملية التعليمية؛ فالمسؤولية الملقاة عليه في إيصال العلم لطلابه تُخَوِّل له سلطة التعامل مع قاعة الدرس ومَنْ فيها تنظيمًا وإشرافًا بما يراه أنسب لاكتمال الجو العلمي؛ فإن سمح بالخروج بناءً على أنَّ الأمر يتحمل أداء الصلاة أولَ الوقت من غير شتات في المحاضرة ولا اختلال في التحصيل العلمي فهو خير وأَوْلَى؛ جمعًا بين المصلحتين، وتحصيلًا للثوابَين، أما إن رأى أن تمام الاستيعاب واكتمال الجو العلمي يقتضي الاستمرار في المحاضرة، وكان في وقت الصلاة فسحة بعد المحاضرة: فعلى الطلبة الالتزام بذلك وتأخير الصلاة عن أول وقتها، وهذا هو ما تدل عليه الأدلة والقواعد الشرعية والمصالح المرعية.
والشريعة أمرت باحترام المعلم وإعطائه حقه، والتأدب بين يديه، وجعلت من الكبائر أن لا يعرف الطالب له حقه وقدره؛ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ» رواه الإمام أحمد في "مسنده" والحاكم في "المستدرك" وصححه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
ومن تمام احترامِه طاعتُه في انتظام العملية التعليمية، وعدم الخروج بغير إذنه أثناء المحاضرة ما دام وقت الصلاة باقيًا كافيًا.
ثم إن من التخصصات العلمية ما يصعب معه استكمال العملية التعليمية على وجهها إذا قُطِعَت المحاضرة بالخروج أول وقت الصلاة لأدائها؛ فيفقد الجو العلمي حينئذ بعض عناصر نجاحه، ويتسبب الطالب في الفساد من حيث أراد الصلاح.
كما أن لأدواء النفوس وعللها في مثل هذه التصرفات مجالًا رحبًا ومتسعًا خصبًا؛ فيتسلل للنفس حب الظهور والتميز على الأقران وفرض الآراء من خلال ما يظنه أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، مع جهله بما يأمر به وما ينهى عنه، فيكون ذلك سببًا في صد الناس عن الالتزام بالشريعة إذا رأوا من ينتسب إليها على هذه الحالة من الخلط في المفاهيم واضطراب الأولويات، وعدم القدرة على موازنة المصالح.
أما الآيات والأحاديث التي يحتج مَن يريد فرض ذلك بها فهو بين احتجاج غير صحيح واحتجاج في غير موضعه؛ فالآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103] معناها: أن الله تعالى فرض لكلِّ صلاة وقتًا وقَّته لها يجب أن تقام في أي جزء من أجزائه، لا أنه يجب أن تقام الصلاة في أول الوقت.
وأما الاستدلال بما رواه الإمام البخاري من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلاَةُ لِوَقْتِهَا، وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ، ثُمَّ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ»: فلا يدل على وجوب الصلاة أول الوقت من قريب ولا بعيد؛ فإن التعبير بـ«أفضل» يدل على أن لكلا العملين فضلًا، ويزيد أحدهما على الآخر فيه؛ فغاية المراد إن صح أنَّ الصلاة في أول الوقت أفضل ما لم يَعْرِضْ ما يُعَارِضُ هذا الفضلَ، ثم إن الحديث ذكر الصلاة على وقتها ولم يعين أول الوقت لهذا الفضل.
قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله في كتابه "إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام" (1/ 163، ط. السنة المحمدية): [ليس فيه ما يقتضي أول الوقت وآخره. وكان المقصود به: الاحتراز عما إذا وقعت خارج الوقت قضاء] اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "فتح الباري" (2/ 9، ط. دار المعرفة): [المشاركة أي في قوله: أفضل إنما هي بالنسبة إلى الصلاة وغيرها من الأعمال، فإن وقعت الصلاة في وقتها كانت أحب إلى الله من غيرها من الأعمال، فوقع الاحتراز عما إذا وقعت خارج وقتها من معذور كالنائم والناسي؛ فإن إخراجهما لها عن وقتها لا يوصف بالتحريم ولا يوصف بكونه أفضل الأعمال مع كونه محبوبًا، لكن إيقاعها في الوقت أحب] اهـ.
وحديث الإمام البخاري الذي رواه في "صحيحه" عن عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: «كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ» لا يدل على شيء أكثر من اهتمامه صلى الله عليه وآله وسلم بأمر الصلاة وتعظيمه لها وحرصه عليها، لا أنه كان يوجبها أول الوقت بل مرَّ ما يدل على خلافه كما مرّ في قصة إصلاحه بين بني عوف، وفي قصة تأخير الصلاة في غزوة الخندق.
وفي بعض الأحيان يتعسر أو يتعذر على الكليات والمعاهد العلمية والمدارس أن تخرج طلبتها جميعًا في وقت واحد للوضوء والصلاة؛ ممَّا يجعل تقسيم الخروج إلى الصلاة حينئذ متعينًا؛ بدلًا من الخروج دفعة واحدة، وقد تقرر في قواعد الفقه أنَّ "المشقة تجلب التيسير".
كما أنه لا يعرف أن الشرع استحب الصلاة أول الوقت في أوقات الحروب كما جاء في اعتراض بعض الطلاب، بل ما حدث في غزوة الخندق بخلاف ذلك كما مر، ومشروعية صلاة الخوف في الحروب لا تدل على هذا، بل هو دليل على مراعاة الشرع للظروف واعتباره للأحوال عند القيام بالفرائض.
وعلى المحاضر أن يخلي وقتًا كافيًا لأداء الصلوات الخمس إذا كان الوقت سيخرج كله ولا يبقى وقت لأداء الفريضة في أول الوقت أو آخره، ويُتْرَك للمحاضر أو لإدارة الكلية أو الجامعة حسب العرف العلمي والإداري تحديد هذا الوقت حسب ما تقتضيه مصلحة العملية التعليمية.
قال العلّامة البجيرمي الشافعي في "حاشيته على شرح منهج الطلاب" لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري (3/ 174، ط. الحلبي): [وأوقاتُ الصلوات الخمس، وطهارتُها، وراتبتُها، وزمنُ الأكل، وقضاء الحاجة: مُستَثناةٌ من الإجارة؛ فيصليها بمحله، أو بالمسجد إذا استوى الزَّمَنان في حَقِّه، وإلا تعين مَحَلُّه] اهـ.
وبناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فمثل هذه المسائل التنظيمية في المحاضرات العلمية يُرجَع فيها إلى الأستاذ المحاضر وجهة الإدارة التي تقوم على العملية التعليمية تنظيمًا وإشرافًا؛ فإن كان الأمرُ يَتَحَمَّلُ أداءَ الصلاة أولَ الوقت مِن غير شتات في المحاضرة ولا اختلال في التحصيل العلمي وسمح بذلك الأستاذ المحاضر فهو خير وأَوْلَى، أما إذا كان الأمر يقتضي الاستمرار في المحاضرة على ما يراه المعلم المحاضر فالتزام الحضور وتأخير الصلاة عن أول وقتها هو ما تدل عليه الأدلة والقواعد الشرعية والمصالح المرعية، وعلى الطالب أن يتأدب بين يدي معلمه، وأن يتبع هذه التعليمات والنُّظُم ليساهم بذلك في نجاح العملية التعليمية ونشر العلم على وجهه، من غير مزايدة ولا إفراط ولا تفريط، وما دام الطالب أو الأستاذ المسلم مكلَّفًا بالمحاضرة، وكان في الخروج أثناءَها تشتيتٌ لنظامها، وأمكن إدراك الصلاة في وقتها بعد وقت المحاضرة: فليس من الشريعة في شيء أن يقطع المحاضرة ويشوِّش انتظامها بخروجه ومَن معه بحجة أداء الصلاة في أول وقتها، كما أنه يجب على المحاضر وعلى الإدارة أن تتيح وقتًا كافيًا لأداء الصلاة في أي وقت من أوقات الجواز، وأن يُراعَى إدراكُها قبل خروج وقتها.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;